حتّى نهاني الشّيب لمّا بدا * في مفرقي عن تلكم المعصية
فلم أرق مذ شاب فودي دما * من عاتق يوما ولا مصبيه
وها أنذا الآن على ما يرى * منّي ومن حرفتي المكدية
أربّ بكرا طال تعنيسها * وحجبها حتّى عن الأهويه
وهي على التّعنيس مخطوبة * كخطبة الغانية المغنية
وليس يكفيني لتجهيزها * على الرّضا بالدّون إلا ميه
واليد لا توكى على درهم * والأرض قفر والسّماء مصحيه
فهل معين لي على نقلها * مصحوبة بالقينة الملهية
فيغسل ، الهمّ بصابونه * والقلب من أفكاره المضنية
ويقتني منّي الثناء الّذي * تضوع ريّاه مع الأدعية
* * * قوله : فودي ، أي ناحية رأسي . مصبية : لها صبوة . أو يصبو إليها من رآها ، وجعل الخمر مصبية ، لأنها تغلب شرّابها فتصيّرهم سكارى ، عقولهم عقول الصبيان ، فهي تلعب بهم كما تلعب الأمّ بصبيانها ، حر فتى : صنعتي المكدية : الصعبة ، وأكدى الحافر : بلغ كدية ، فرفع عن الحفر آيسا من الماء ثم استعير لغير ذلك أربّ ؛ أصلح ، تعنيسها : إقامتها بغير زوج .
قال عمر رضي اللّه تعالى عنه ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « مكتوب في التوراة : من بلغت ابنته اثنتي عشرة سنة ، فلم يزوجها فأصابت إثما فإثم ذلك عليه » « 1 » .
وقال عليه الصلاة والسلام : « من بلغ له ولد النكاح وعنده ما ينكحه به فلم ينكحه ، فأصاب إثما فالإثم بينهما » « 2 » ، ويعني بها خمرا قديمة حجبها عن الأهوية ، لئلا يفسدها الهواء .
قوله : مخطوبة : مطلوبة . الغانية : البارعة الجمال التي غنيت بحسنها عن الزينة ، قال الرّستمي : أصلها في ذات الزوج الّتي استغنت بزوجها ، ثم قيل في غير ذات الزوج .
قال عمارة : هي الشابّة التي تعجب الرجال ويعجبونها ، المغنية : التي نشأت في الغنى ، وأغنى بمعنى استغنى ، والمغنية أيضا : التي تغني زوجها عن غيرها لكمال خصالها .
توكأ : تشدّ وتربط ، والوكاء : الخيط يشدّ به فم الوعاء .
وراود عبد في الجاهلية ابنة سيّده عن نفسها ، فأمكنته حتى بلغ أربه منها ، ثم
هامش
( 1 ) أخرجه الدارمي في المقدمة باب 20 .
( 2 ) أخرجه بنحوه البخاري في النكاح باب 9 .