[ المجلد الثالث ]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
المقامة الثالثة والثلاثون وتعرف بالتّفليسيّة
حكى الحارث بن همّام ، قال : عاهدت اللّه مذ يفعت ، ألّا اؤخّر الصّلاة ما استطعت ؛ فكنت مع جوب الفلوات ، ولهو الخلوات ، أراعي أوقات الصّلاة ، وأحاذر من مأتم الفوات . وإذا رافقت في رحلة ، أو حللت بحلّة ، مرحبت بصوت الدّاعي إليها ، واقتديت بمن يحافظ عليها .
فاتّفق حين دخلت تفليس ، أن صلّيت مع زمرة مفاليس فلمّا قضينا الصّلاة ، وأزمعنا الانفلات ، برز شيخ بادي اللّقوة ، بالي الكسوة والقوّة ، فقال : عزمت على من خلق من طينة الحرّية ، وتفوّق درّ العصبيّة ، إلّا ما تكلّف لي لبثة ، واستمع منّي نفثة ، ثم له الخيار من بعد ، وبيده البذل والرّدّ . فعقد له القوم الحبا ، ورسوا أمثال الرّبا .
يفعت : شببت ولم أبلغ الحلم ، وقاربت ذلك .
ابن أبي الخير : يفع الغلام وأيفع ، إذا كان ابن سبع سنين ، فإذا ناهز الحلم قيل :
مراهق وكوكب ، فإذا أدرك قيل : فيه حزوّر .
غيره : غلام يفعة غضّ الشباب ، وجارية يفعة ، والجمع أيفاع وأيفع ، فهو يافع على غير قياس . قال ابن سيده رحمه اللّه : ولم يقل أحد منهم يفع الغلام ، ولا موفع ، ومثله أبقل الموضع ، وأورس ، والورس : نبت أصفر . جوب : قطع . الخلوات : حيث يخلو للذاته . أراعي أحفظ . مأثم : إثم . الفوات فوت الوقت . رافقت في رحلة : صاحبت في ارتحال وسفر . حللت : نزلت ببلدة . والحلّة : جماعة البيوت ، والحلّة : القوم الحلول والجمع حلال . مرحبت : قلت مرحبا . الدّاعي : هو المؤذّن .
[ فضل الصلاة في وقتها ]
وجاء من الأثر في تأخير الصلاة قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ الرجل ليصلّي الصلاة وما فاته وقتها ، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله » « 1 » . فهذا وقد أدرك آخر الوقت سيندم على فوات أوله .
هامش
( 1 ) أخرجه مالك في الوقت حديث 23 .