ألا أيّ هذا القانص الظبي خلّه * وخذ عوضا منه جياد قلائصي
خف اللّه لا تحبسه إنّ شبيهه * حياتي قد أرعدت منه فرائصي
فقال القانص : اللّه إن فعلت ؟ قال : اللّه ، فأرسل الظبي ، واستاق القلائص .
وحدث رجل من بني عذرة قال : كان فينا فتى ظريف غزل ، كثيرا ما يتحدّث إلى النساء ، فهوي جارية من الحيّ ، فراسلها فأظهرت له جفوة ، فوقع مضنى مدنفا وظهر أمره ، وتبيّن دنفه ، ولم يزل النساء من أهلها وأهله يكلّمنها فيه ، حتى أجابت ، فسارت إليه عائدة ومسلّمة ، فلما نظر إليها تحدّرت عيناه بالدموع ، وأنشأ يقول : [ الطويل ]
أريتك إن مرّت عليك جنازتي * تروح بها أيد طوال وتسرع
أما تتبعين النّعش حتى تسلّمي * على رمس ميت بالحفيرة يودع !
فبكت رحمة ، وقالت : واللّه ما ظننت أن الأمر بلغ بك هذا ، فو اللّه لأساعدنّك ولأداومنّ على وصالك ، فهملت عيناه بالدموع ، وأنشأ يقول : [ الطويل ]
دنت وظلال الموت بيني وبينها * ومنّت بوصل حيث لا ينفع الوصل
ثم شهق شهقة فخرجت نفسه ، قال : فوقعت عليه تلثمه ، ثم رجعت عنه مغشيّا عليها ، فما مكثت بعده إلّا أياما حتى ماتت .
قال حماد الراوية : انصرفت من جنازة لبعض السّكاسك ، فإذا بصبيّ من عذرة ظريف ، حسن الوجه ، صغير السّنّ ، موصوف بقول الشعر ، فوقفنا فسلّمنا ، فقام إعظاما لنا ، فقلت : أنشدنا شيئا ، فكأنه استحيا ، فقلت له : لا بدّ ، فأنشدنا : [ مجزوء الرمل ]
هل من الحبّ مجير * من ملاح يعتدونا
قد شكونا بخضوع * عذل قوم يعذلونا
في جوى نلقاه ممن * لا يبالي ما لقينا
وبكينا بدموع * أغرقت منّا الجفونا
قال حماد : فكدت أرقص طربا وقلت : فداؤك عمّك ! وجلسنا إليه تعجّبا من رقته وجماله وفصاحته ، فأنشدنا : [ الرمل ]
ولقد أرسلت دمعي شاهدا * ثم صيّرت إليها المشتكى
فتولت ، ثم قالت شغلي * كلّ من شاء تبكي ! فبكى
قال حماد : قلت له : فديتك ، تحبّ هذه الجارية ؟ قال : يا عمّ ، والحبّ عيب ! إن كان عيبا تركته . ثم قال : يا عمّ إذا قرأت أو بلغني أحاديث قومي مثل عروة وجميل ، أفلا أشتهي أن أكون واحدا منهم ! فانصرفنا عنه متعجبين .