السمك فيه حسبته لجّة ، وكشفت عن ساقيها . فأبصر شعرها سليمان ، فصرف بصره عنها ، وقال إنه صرح ممرّد من قوارير ، فقالت :
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
[ النمل : 44 ] الآية . فقال سليمان للجن : ما يذهب الشعر ؟ فقالوا : له النّورة ، فاستنكحها سليمان عليه السلام .
وذكر ابن إسحاق أنّها لمّا أسلمت ، قال لها سليمان : اختاري رجلا من قومك أزوّجكه ، فقالت : ومثلي ينكح ، وقد كان لي من الملك والسلطان ما كان ! فقال لها : ما ينبغي أن تحرّمي ما أحلّ اللّه لك ، فزوّجها ذا تبع ملك همدان ، وملكه اليمن ، وردّها معه ، فلم يزل ملك اليمن حتى مات سليمان . وكانت بلقيس من بيت المملكة ، قيل : إنها ولدها أربعون ملكا ، واختلف في أمها فقيل : إنسيّة وقيل جنّية .
وأما عرشها ، وهو سريرها ، فقيل : كان طوله ثمانين ذراعا ، وعرضه كذلك . وكان عرشها صفائح من ذهب وفضة قد ركبت فيه فصوص الياقوت الأحمر والزّبرجد الأخضر والدرّ واللؤلؤ ، وكان له قائمتان من ياقوت وقائمتان من زبرجد ، والملك للّه وحده ، الذي سخر لسليمان هذا الملك العظيم ومن أحضر له هذا العرش العظيم قبل رجع الطرف !
وذكر الحريري في الدرّة : أن صواب لفظ « بلقيس » أن تكسر باؤه لأن كل أعجمي يعرّب فقياسه أن يلحق بأمثلة كلام العرب ، قال : وعلى ذلك بلقيس .
وقرأت في أخبار سيف الدولة أن الخالديّين مدحاه ، فبعث إليهما وصيفا ووصيفة ، مع كلّ واحد منها بدرة وتخت من ثياب مصر والشام ، فكتبا إليه : [ الكامل ]
لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا * إلا ومالك في النّوال حبيس
خوّلتنا شمسا وبدرا أشرقت * بهما لدينا الظلمة الحنديس
رشأ أتانا وهو حسنا « يوسف » * وغزالة هي بهجة « بلقيس »
هذا ولم تقنع بذاك وهذه * حتى بعثت المال وهو نفيس
أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة * وأتى على ظهر الوصيف الكيس
وكسوننا مما أجادت حوكه * مصر وزادت حسنه تنّيس
فغدا لنا من جودك المأكول وألم * شروب والمنكوح والملبوس
فلما قرأها سيف الدولة قال : أحسنا ، إلا في لفظ « المنكوح » ، إذ ليست مما يخاطب بها الملوك .
وهذا من بديع نقده المليح وشواهد ذكائه الصريح .
وأما الزّبّاء : فقد تقدّم ملكها في الرابعة والعشرين .
* * *