كثيرة في مصانع حفرتها ، وبرك أحدثتها ، تنزل وفود الحج عليها ، فلا تجد ماء إلى فيها ، فيشربون ويسقون إبلهم ، ويتزوّدون وهم في الكثرة أعداد لا يحصيهم إلا خالقهم ، والكل داعون لزبيدة إلى زماننا هذا .
وأما آثارها الملوكية ، فإنّها أوّل من اتّخذت الآلات من الذهب والفضة المكلّلة بالجوهر . وبلغ ثوب وشى اتّخذ للباسها خمسين ألف دينار .
وهي أول من اتخذ القباب من الفضة والآبنوس ، وكلاليبها من الذهب ، ملبسة بالوشي والديباج ، وأنواع الحرير الملوّن ، وهي أوّل من اتخذ الخفاف المرصّعة بالجوهر ، وشماع العنبر . ولما أفضي الأمر إلى ابنها الأمين رفع منازل الخدم ككوثر وغيره ، فلمّا رأت حبّه فيهم اتخذت له الجواري المقدودات الحسان الوجوه ، وعمّمت رءوسهنّ ، وجعلت لهن الطّرر والأصداغ والأقفية ، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق ، فبالت قدودهنّ ، وبرزت خصورهن ، وبعثت بهنّ إليه ، فاستحسنهنّ وأبرزهنّ للناس ، فسمّوهنّ الغلاميات .
وأخبارها كثيرة ، وعندما قتل الأمين دخل عليها بعض خدمها ، فقال لها : ما يجلسك وقد قتل أمير المؤمنين ؟ فقالت : ويلك وما أصنع ؟ قال : تخرجين وتأخذين بدمه ، كما خرجت عائشة تطلب بدم عثمان ، فقالت : اخسأ لا أمّ لك ! ما للنساء وطلب الدماء ! ثمّ أمرت بثيابها فسوّدت ودعت بدواة ، فكتبت إلى المأمون : [ الطويل ]
أخير إمام قام من خير عنصر * وأفضل راق فوق أعواد منبر
ووارث علم الأوّلين وفخرهم * إلى الملك المأمون من أمّ جعفر
كتبت وعيني تستهلّ دموعها * إليك ابن عمي من جفوني ومحجري
أصبت بأدنى الناس منك قرابة * ومن زال عن عيني فقلّ تصبّري
أتى طاهر ، لا طهّر اللّه طاهرا ، * فما طاهر في فعله بمطهّر
فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرا * وأنهب أموالي وحرّق أدؤري
يعزّ على هارون ما قد لقيته * وما نالني من ناقص الخلق أعور
تذكّر أمير المؤمنين قرابتي * فديتك من ذي قربة متذكّر
فإن كان ما أبدى لأمر أمرته * صبرت لأمر من قدير مقدّر
وإن كان ما قد كان منه تعدّيا * عليّ أمير المؤمنين فغيّر
فلمّا قرأها المأمون ، بكى بكاء شديدا ، ثم قال : إنّي لأقول كما قال عليّ أمير المؤمنين حين بلغه قتل عثمان رضي اللّه عنهما : واللّه ما أمرت ، ولا رضيت ، اللهمّ جلّل قلب طاهر حزنا .
قال إبراهيم الحربي : رأيتها في المنام ، فقلت لها : ما فعل اللّه بك ؟ فقالت : غفر