المقامة الرّابعة والثلاثون وتعرف بالزّبيديّة
أخبر الحارث بن همّام ، قال : لمّا جبت البيد إلى زبيد ، صحبني غلام قد كنت ربّيته إلى أن بلغ أشدّه ، وثقّفته حتّى أكمل رشده .
وكان قد أنس بأخلاقي ، وخبر مجالب وفاقي ؛ فلم يكن يتخطّى مرامي ، ولا يخطئ في المرامي ؛ لا جرم أنّ قربه التاطت بصفري ، وأخلصته لحضري وسفري ، فألوى به الدّهر المبيد ، حين ضمّتنا زبيد .
* * * جبت : قطعت . البيد : الصحارى .
زبيد : بلدة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا ، وليس في اليمن بعد صنعاء أكبر منها ، ولا أغنى من أهلها ، ولا أكثر خيرا ، واسعة البساتين ، كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره ، وهي برّية لا ساحلية .
وبلغ أشدّه : أي بلغ الحلم ، وقيل ثلاثين سنة . قال الأزهريّ رحمه اللّه تعالى :
الأشدّ في كتاب اللّه تعالى على ثلاث معان : أما قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
[ يوسف : 22 ] فبلوغه مبلغ الرجال ، وكذا في اليتيم ، حكمه أن يحفظ عليه ماله حتى يبلغ أشدّه ، وبلوغه أشده أن يؤنس الرّشد منه مع أن يكون بالغا .
وأما قوله تعالى في قصة موسى عليه الصلاة والسلام
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى
[ القصص : 14 ] فقرن بلوغ الأشد بالاستواء وهو أن تجتمع قوّته ، ويكتهل وذلك من ثمان وعشرين إلى ثلاث وثلاثين سنة ، وذلك منتهى الشباب . وأما قوله تعالى
حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
[ الأحقاف : 15 ] فهي نهاية بلوغ الأشد ، وعندها بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد اجتمعت حكمته وتمام عقله ، فبلوغ الأشدّ محصور البداية محصور النهاية ما بين ذلك .
ثقفته : قوّمته وحذفته . خبر : أي جرّب وعرف . مجالب وفاقي : أي عرف من أين يجلب ما يوافقني . يتخطّى : يتجاوز . مرامي : مرادي ومقصدي لا جرم ، أي لا محالة