فكأنما قرّب دجاجة ، ومن راح في الخامسة فكأنّما قرّب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر » .
* * * ثمّ بادرت في هيئة الخاشع ، إلى مسجدها الجامع ، لألحق بمن يقرب من الإمام ، ويقرّب أفصل الأنعام ، فحظيت بأن جلّيت في الحلبة ، وتخيرت المركز لاستماع الخطبة ، ولم يزل النّاس يدخلون في دين اللّه أفواجا ، ويردون فرادى وأزواجا ؛ حتّى إذا اكتظّ الجامع بحفله ، وأظلّ تساوي الشّخص وظلّه ، برز الخطيب في أهبته ، متهاديا خلف عصبته ، فارتقى في منبر الدّعوة ، إلى أن مثل بالدّروة ؛ فسلّم مشيرا باليمين ، ثم جلس حتّى ختم نظم التأذين .
* * * الأنعام : هي الإبل والبقر والغنم . وقال في الدرة : فرّقت العرب بين النعم والأنعام ، فجعلت النّعم اسما للإبل خاصة وللماشية التي فيها الإبل ، وتذكر وتؤنث ، وجعلت الأنعام اسما لأنواع المواشي مثل الإبل والبقر والغنم . حظيت : سعدت .
جلّيت : سبقت . والحلبة : جماعة الخيل ، وأراد بها الناس المبادرين للصلاة ، وأنه سبقهم . المركز : الموضع تنتظر فيه الصلاة . دين : طاعة . أفواجا : جماعات . يردون :
يأتون الجامع . اكتظّ : امتلأ وضاق بأهله . حفله : اجتماع الناس فيه . أظل : دنا قرب .
تساوي الشخص وظلّه ، يريد حديث عمر رضي اللّه عنه : أن صلّ الظهر إذا صار ظلك مثلك . برز : خرج . أهبته : عدّته للصلاة . متهاديا : متمايلا لوقاره . عصبته : جماعة المؤذنين . ارتقى : طلع . مثل بالذروة : جلس بأعلى المنبر أو ظهر بأعلاه . والماثل :
اللاطئ بالأرض أو القائم المنتصب ، وهو من الأضداد ، وسمي المنبر منبرا لارتفاعه وعلوّه من النبر ، وهو ارتفاع الصوت ، ونبر الرجل نبرة : تكلم بكلمة فيها علوّ ، وأنشد أبو الحسن بن البراء : [ الكامل ]
إني لأسمع نبرة من قولها * فأكاد أن يغشى عليّ سرورا « 1 »
مشيرا باليمين ، مذهب الشافعي رضي اللّه عنه أن الخطيب إذا جلس على المنبر ، أشار إلى الناس بيمينه مسلّما من غير كلام . قال ابن عمر رضي اللّه عنهما : انطلقت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى مسجد قباء ، فصلّى فيه ، فخرج عليّ صهيب ، فقلت : يا صهيب ، كيف كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يردّ من يسلّم عليه ؟ قال : يشير بيده « 2 » .
هامش
( 1 ) البيت بلا نسبة في لسان العرب ( نبر ) ، وتهذيب اللغة 15 / 214 ، وتاج العروس ( نبر ) .
( 2 ) أخرجه أبو داود في الصلاة باب 170 ، وأحمد في المسند 3 / 138 .