ولم يلهني دار ولا رسم منزل * ولم يتطرّبني بنان مخضّب « 1 »
قال : ما يتطرّبك إذا ؟ فقال : [ الطويل ]
لا أنا ممّن يزجر الطير همّه * أصاح غراب أم تعرّض ثعلب
قال : أنت ممّن ؟ ويحك ! وإلى من تسمو ؟ قال : [ الطويل ]
ولا السانحات البارحات عشيّة * أمرّ صحيح القرن أم مرّ أعضب
قال : أمّا هذا فقد أحسنت فيه ، قال : [ الطويل ]
ولكن إلى أهل الفضائل والنّهى * وخير بني حوّاء والخير يطلب
قال : فمن هم ويحك ! فقال : [ الطويل ]
إلى النّفر البيض الّذين بحبّهم * إلى اللّه فيما نابني أتقرّب
فقال : أرحني ويحك ! من هؤلاء ؟ فقال : [ الطويل ]
بني هاشم رهط النّبيّ فإنّني * بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب
فقال : للّه درّك يا بنيّ ! فقد أصبت وأحسنت ، إذ عدلت عن الزّعانف والأوباش ، إذا لا يصرد سهمك « 2 » ، ولا يثلب قولك . ثم مرّ فيها ، فقال : أظهر وأشهر ، فأنت أشعر من مضى ، وأشعر من بقي .
فحينئذ قدم المدينة ، فأتى عبد اللّه بن الحسين ، فأنشده ، فقال : يا أبا المستهلّ ، إنّ لي ضيعة أعطيت فيها أربعة آلاف دينار وهذا كتابها ، وقد أشهدت لك بها شهودا ، فقال :
بأبي أنت وأمي ! كنت أقول الشعر لغيركم أريد به الدنيا والمال ، ولا واللّه ما قلت فيكم شيئا إلا للّه ، وما كنت لآخذ في شيء جعلته للّه ثمنا . فلما أبى عليه أخذ مئزره ، فدفعه إلى أربعة غلمان ، فجعل يدور به دور بني هاشم ، ويقول : هذا الكميت ، قال فيكم الشعر حين صمت الناس عن فضلكم ، وعرّض دمه لبني أميّة ، فأثيبوه بما قدرتم . فاجتمع له من حلى النساء ومن الدنانير والدراهم ما قيمته مائة ألف درهم ، فجاء بها إلى الكميت ، وقال : يا أبا المستهلّ أتيناك بجهد المقلّ ، ونحن في دولة عدوّنا ، فاستعن بهذا على دهرك ، فقال : بأبي أنت وأمي ، قد أكثرتم وأطنبتم ، وما أردت بمدحي إيّاكم إلا اللّه ، فأردده إلى أهله . فجهد به بكل حيلة ، فأبى ، فقال : أما إذا أبيت أن تقبل ، فإن رأيت أن تقول شعرا تغضب به بين النزاريّة واليمنيّة لعل فتنة تحدث ، فنخرج بين أضغانها ، فقال قصيدته التي أولها : [ الوافر ]
هامش
( 1 ) البيت في شرح هاشميات الكميت ص 43 ، ولسان العرب ( طراب ) ، وتاج العروس ( طرب ) ، وأساس البلاغة ( طرب ) .
( 2 ) أصرد السهم : أخطأ .