وسائل إدراك التصحيف :
لما كان المؤلف يرى أن التصحيف والتحريف يقعان من العامة ، ويغلط فيهما بعض الخاصة فقد بين أن كمال الادراك لا بدّ له من دعائم يرتكز عليها ، أهمها :
الافتنان في العلوم ، ولقاء العلماء ، والأخذ من أفواه الرجال ، وعدم التعويل على الكتب الصحفية ، فضلا عما ينبغي أن يتوافر للباحث من مواهب وصفات أخرى أساسية ؛ فلا بد من ذكاء وفطنة ، واستعداد لحمل ثقل العلم واستعذاب لمرارته .
فمن اجتمع له كل هذا كان أهلا للنهوض بالعبء .
والناظر في الكتاب يشعر أن المؤلف كان أمينا لمبادئه ، حريصا على السير في هداها ومراعاتها ، ويتجلى حرصه على الدقة في رواية الأخبار من عزوفه عن النقل من الصحف واعتماده على الرواية من أفواه الرجال ليتم له التثبت والضبط .
ولهذا نراه في أكثر أبواب الكتاب - إلا في القسم الأخير منه - يسوق الخبر أو المسألة مروية على لسان قائلها ، ومسندة إلى رواتها . ولا يعتدّ إلا بما أخذه من أفواه الرجال ، أو قرأه عليهم ؛ فإذا نقل غير هذا من كتاب فهو يبرأ من تبعته « 1 » .
كذلك نراه حريصا على أن يمحص الخبر لينصف قائله ، فمثلا نجده يقول بعد أن ذكر ما جاء عن جارى مكاشرى ومكاسرى ، وعن مثقل استعان بذقنه ، أو بدفيه ( أما قول يعقوب فلأن مكاسرى فهو كما قال ، وقد وهم اللحياني ، وأما قوله : بدفّيه ، فقد ظلمه يعقوب في رده . . . ) ويذكر السبب ، أو يقول متشككا في صحة الخبر المروىّ ، ومبررا لروايته ( حكى لي أبو عمر محمد بن عبد الواحد خبرا أنا أوجس منه ، ولولا أنه ذكر في إسناده ابن راهويه ومحله من الصدق فيما يحكيه محل جليل لأمسكت عن ذكره « 2 » ) وكقوله : إن كان أبو الحسين
هامش
( 1 ) ص 78 .
( 2 ) ص 31 .