أصبح شكا ذلك ؛ فشكاهم مرّة ، فقالوا : نحن ما نرميك ، ولكنّ اللّه يرميك ؛ فقال : كذبتم ، لو كان اللّه يرميني ما أخطأنى !
وقال لهم يوما : يا بنى قشير ، ما أحبّ إلىّ طول بقاء منكم ، قالوا : ولم ذاك ؟
قال : لأنكم إذا ركبتم أمرا عملت أنه غىّ فاجتنبته ، وإذا اجتنبتم أمرا علمت أنه رشد فاتّبعته .
وقال له رجل : أنت واللّه ظرف علم وحلم ؛ غير أنك بخيل ، فقال :
وما خير ظرف لا يمسك ما فيه !
وسأله رجل فمنعه ، فقال : يا أبا الأسود ، أما أصبحت حاتمنا ! فقال :
بلى ، قد أصبحت حاتمكم من حيث لا تدرى ، أليس حاتم يقول :
أماوىّ إمّا مانع فمبيّن * وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر ! « 1 »
وحكى أن أعرابيّا مرّ به وهو يأكل رطبا على باب داره ، فقال : السّلام عليكم ، فقال أبو الأسود : كلمة مقولة ، فقال : أأدخل ؟ قال : وراءك أوسع لك .
قال : أنا ابن الحمامة ، قال : انصرف ، وكن ابن أىّ طائر شئت ! قال :
سألتك باللّه إلّا اطعمتنى ممّا تأكل ! فألقى إليه ثلاث رطبات ، فوقعت إحداهنّ في التّراب ، فأخذها فمسحها بثوبه ، فقال : دعها ، فإنّ الذي تمسحها منه أنظف من الّذى تمسحها به ، فقال : إنما كرهت أن أدعها للشيطان ، فقال :
لا ، واللّه ولا لجبريل وميكائيل تدعها !
وجلس يوما إلى معاوية يتحدّثان في خلوة ، ثم تحرّك فضرط ، فقال لمعاوية : استرها علىّ ، قال : نعم ، فلما خرج حدّث بها معاوية عمرو بن العاص ومروان بن الحكم ، فلما غدا إليه أبو الأسود قال له عمرو : ما فعلت ضرطتك
هامش
( 1 ) ديوانه 118