ممكّنا لك ممن هو أقوى منك وأكثر عددا ، ومن حارب العالم الكبير غلب .
ثم ترجّل وقبّل الأرض ؛ فنزل الإسكندر عن فرسه ، وجلسا على سرير ، فقال له الإسكندر : ليس مثلك من يؤخذ منه خراج ، وقد أعفيتك . فقال الملك :
أمّا إذ قد فعلت فلا بدّ من حسن المكافأة ، ثم بعث إليه بضعف ما قرّره عليه .
وعاد الإسكندر وقد دانت له الملوك ، ودوّخت البلاد ، فأقام بشهرزور أيّاما ؛ واحتضر بها . وكانت مدة ملكه ستّ عشرة سنة . واختلف في عمره ، فقيل : ست وثلاثون سنة ، وقيل أكثر ، وبين وفاته وبين الهجرة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - ستمائة سنة . وقيل غير ذلك . ومن أراد تحرير التاريخ فليأخذه من « المختصر في تاريخ البشر « 1 » » ، تأليف مولانا السلطان الملك المؤيّد .
ولما حضرت الإسكندر الوفاة كتب إلى أمّه كتابا يسألها فيه أن تصنع وليمة ، وتدعو نساء أهل المملكة ، ولا تأذن إلا لمن لم تصب بفقد عزيز من أهلها ؛ ففعلت ذلك ، فلم يدخل عليها أحد ، فعلمت أنه مات ، وأنّ ذلك تعزية لها .
ثم أوصى أن يوضع في تابوت من ذهب ، ويطلى بالأطلية الممسّكة . ويحمل إلى أمّه بالإسكندرية . فلما فعل ذلك جمع أرسطاطاليس الحكماء ، وأمرهم بكلام يكون للخاصة معزّيا ، وللعامة واعظا ، كما فعل بالإسكندر الأول - وكانوا عشرة :
فقال الأول : أصبح مستأسر الأسرى أسيرا .
وقال الثاني : هذا الإسكندر ، طوى الأرض العريضة ، وهو اليوم يطوى منها في ذراعين .
وقال الثالث : العجب أن القوىّ قد غلب والضّعفاء لاهون .
وقال الرّابع : ما سافر الإسكندر سفرا طويلا بلا آلة سوى سفره هذا .
هامش
( 1 ) تاريخ أبى الفدا 1 : 45 .