ما أنصف القوم ضبّه * وأمّه الطرطبه
فما رضي أن يكون قسيمه ، ولا في ميدان البيان غريمه ، وطبقته في الشعر عالية ، لم يحل بلدنا من الأندلسيين أشعر منه ؛ أخبرني صاحبنا المحصل المجيد المتقن أبو الحسن القديري ، تلميذ الأستاذ المحصل المحقق أبي عبد اللّه ابن هشام - رحمه اللّه - أنه كان يوما بين يدي الأستاذ المذكور ؛ فدخل عليهم المجلس الشيخ أبو الحسن حازم ، وهو شاب عليه بداوة ، وعلى روائه حلاوة ؛ فتذاكرنا الشعر والشعراء ؛ فجعل يغض من أبي الطيب ، فاستحمقناه ، ثم إن الكلام طال فاستنشدناه فأنشدنا مطولات فعذرناه في غضه منه ، وصرفه العنان عنه ، وفي هذا المعنى كتب له أبو المحيا يستفهمه « 1 » :
بنيّ ابن لي قد تحيّر لي فكري * لإبداع ما اسمعتنيه من السحر
عجبت للفظ صيغ معنى وكوكب * يصيّره معنى ذكي من الفكر
أبا الكيميا صيّرت لفظك لؤلؤا * أبا السحر أنزلت النجوم إلى الحبر
لقد صدّق الأقوام رائق شعركم * إذا نسبوا بعض البيان إلى السحر
وقد عارض قصيدة أبي الطيب ، وهي من مذهباته « 2 » .
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه * بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
بقوله « 3 » :
أيعلم ما يلقى من الشوق لائمه * إذا ما شجته من حبيب معالمه
وكيف وما سال بحال كواجد * وهل يتسوي خلو الفؤاد وهائمه
يبيت إذا ما البرق أرّق جفنه * بليل سليم ساورته أراقمه
وما البرق أمسى لي هوى غير أن بي * هوى ربرب تحكي البروق مباسمه
هامش
( 1 ) من الطويل .
( 2 ) من مطلع قصيدته في مدح سيف الدولة مما أنشده سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، راجع شرح ديوان المتنبي 4 : 55 .
( 3 ) قصائد ومقطعات : 199 . ديوان حازم القرطاجني : 109 ، والقصيدة من الطويل .