بمدرسة الشمّاعين « 1 » ، وحضرت مجالسه بزاوية المغربي « 2 » ، وكان يقرأ عليه بها الحاصل والفروع ، وكان إذا ضويق في بحث ، ويلزمه الخصم المسألة ، ولا يجد عن الإلزام بدا ، يقول : هب يلزم فما يلزم من ذلك ، ويتزاهد بلديه ، أنشدني - رحمه اللّه - لنفسه « 3 » :
مدرس النحو مل إليه * فهو لدى الحسن سيبويه
وخده المشرق ابن زهر * والقد منه ابن ماسويه
وأنشدني بيتين في مدح سيد البشر ، جلّت عن الوصف والنظر ، وهما « 4 » :
شرّف مديحك بالنبي وحلّه * تكسو المديح المدح بالممدوح
فالعين زان سوادها إنسانها * والجسم شرفه حلول الروح
وهذا معنى غريب ، وقد ولع بهما أهل العصر وخمسوهما تخاميس كثيرة ، وجمع ذلك صاحبنا الفقيه أبو العباس الرصافي « 5 » ، المشتهر بالمعيلف ، وهذا الرجل له شعر يتكلّف فيه التجنيس ، وطريقة ينحو فيها الجزالة ، وشعره جيّد غير أنه لم يخل من سقطات ، وذكر لي مخمسّوها تخاميس كثيرة لم يصب الغرض فيها غير أبي عبد اللّه جمعة المعروف بابن الميل « 6 » ، ولم ينصفوه في وضع الترتيب . وذكر لي ابن غرداي « 7 » - رحمه اللّه - أن هذا المعنى مخترع ؛ فقلت له على البديه ؛ أحفظه من شعر القدماء من العرب ، والذي أخذ منه المعنى ، ما أنشده الجاحظ « 8 » :
هامش
( 1 ) من المدارس الشهيرة بتونس في العهد الحفصي ؛ من أعمال أبي زكريا يحي الحفصي .
( 2 ) من الزوايا في العهد الحفصي .
( 3 ) من البسيط المجزوء ويسمى المخلع البسيط .
( 4 ) من الكامل .
( 5 ) لم نقف له على ترجمة ، وربما كان المذكور في لقط الفرائد في وفيات السنة الرابعة ، سنة 734 ، قال : « وأحمد ابن عبد اللّه الأنصاري ، المعروف بالرصافي » ، ألف سنة من الوفيات : 189 .
( 6 ) يظهر أنه كان من مشاهير أدباء عصره الذين أغفلهم التاريخ كابن الطواح .
( 7 ) أحد أصحاب المؤلف الأدباء الذين لم تكتب لهم الشهرة . وكتب في ( ب ) ابن عرادي .
( 8 ) من الخفيف .