السقاية والرفادة ، وكان هاشم رجلا موسرا فكان إذا حضر موسم الحج قام في قريش فقال : « يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وإنكم يأتيكم في هذا الموسم زوار الله يعظمون حرمة بيته وهم ضيف الله ، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه ، وقد خصكم الله بذلك وأكرمكم حفظه منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ، فأكرموا ضيفه وزواره فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر « 1 » كالقداح وقد أزحفوا وتقلوا وقملوا وأرسلوا فأقرّوهم وأغنوهم وأعينوهم » « 2 » .
فكانت قريش ترافل « 3 » على ذلك حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشئ اليسير على قدرهم فيضمه هاشم إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس فأعجز كمله ، وكان هاشم يخرج في كل سنة مالا كثيرا ، وكان قوم من قريش يترافدون ، فكانوا أهل يسار ، فكان كل إنسان منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية « 4 » ، فكان هاشم يأمر بخياض من أدم « 5 » فتجعل في موضع زمزم من قبل أن تحفر « 6 » زمزم ثم يسقى فيها من البئار التي بمكة فيشرب الحاج ، وكان يطعمهم أول ما يطعمهم قبل التروية « 7 » بيوم بمكة ويطعمهم بمنى وبعرفة ( وكان ) « 8 » يثرد « 9 » لهم الخبز واللحم ، والخبز والسمن ، والسويق « 10 » والتمر ، ويحمل إليهم الماء حتى تنفرق الناس لبلادهم .
هامش
( 1 ) الضوامر : الإبل قليلة اللحم ، الهزيلة البدن من شدة السفر وطوله . القاموس ( 3 / 36 ) ، المعجم الوجيز ( ص 382 ) .
( 2 ) ذكره ابن هشام من رواية ابن إسحاق في مغازيه . انظر سيرة ابن هشام ( 1 / 150 ، 151 ) .
( 3 ) ترافل : ترسل . انظر القاموس ( 2 / 370 ) .
( 4 ) سيأتي الكلام عليها بالتفصيل في رسالة « شذور العقود » التي أفردها المصنف للكلام على النقود وأنواعها .
( 5 ) أي أوعية من الجلد يسقى بها . انظر القاموس ( 2 / 25 ) .
( 6 ) وكانوا قد حفروا عدة آبار قبل زمزم ، وقد تكلم عليها تفصيلا ابن هشام في السيرة ( 1 / 162 - 167 ) .
( 7 ) سمى بيوم التروية ؛ لأنّهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعد ، أو لأن إبراهيم عليه السلام - كان يتروّى ويتفكّر في رؤياه فيه ، وهو يوم ثامن ذي الحجة . انظر المصباح المنير ( 1 / 246 ) ، القاموس ( 2 / 418 ) .
( 8 ) ساقط من الأصل .
( 9 ) ثرد الخبز : فتّه ، وقطّعه ( القاموس 1 / 400 ) .
( 10 ) السويق : طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير . المعجم الوجيز ( ص 330 ) .