فإن تخلص الذهب من الغش تخلص في حياته وبعد وفاته » .
فقال أحمد بن طولون : الحمد لله على ما نبهتنى عليه هذه الكتابة فإنه أحب إلىّ من المال ، ثم أمر لكل رجل كان يعمل بمائتى دينار منه ، وأنفذ بأن يوفّى الصنّاع أجرهم ووهب لكل رجل منهم خمسة دنانير ، وأطلق للرجل الذي أقام معهم من أصحابه ثلاثمائة دينار ، وقال لخادمه نسيم : خذ لنفسك منه ما شئت .
فقال : ما أمرني به مولاي أخذته . فقال : خذ ملء كفيك جميعا و ؟ ؟ عد من بيت المال مثل ذلك كرّتين ، فبسط نسيم كفيه فحصل على ألف دينار .
وحمل أحمد بن طولون ما بقي فوجده أجود عيارا من عيار السندي بن شاهك ومن عيار المعتصم ، فتشدد حينئذ أحمد بن طولون في العيار حتى لحق ديناره بالعيار المعروف له - وهو الأحمدي الذي كان لا يصاب بأجود منه .
ولما دخل القائد أبو الحسين جوهر الكاتب الصقلى إلى مصر بعساكر الإمام المعز لدين الله في سنة 358 ه ، وبنى القاهرة المعزّية حيث كان مناخه الذي نزل فيه ، صارت مصر من يومئذ دار ملكه ، وضرب جوهر القائد الدينار المعزّى ونقش عليه في أحد وجهيه ثلاثة أسطر ، أحدها : « دعى الإمام المعز لتوحيد الأحد الصمد » وتحته سطر فيه « ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة » وفي الوجه الآخر « لا إله إلا الله ، محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون على أفضل الوحيين وزير خير المرسلين » .
وكثر ضرب الدينار المعزى حتى أن المعز لما قدم إلى مصر سنة ثنتين وستين وثلاثمائة ونزل بقصره من القاهرة ، أقام يعقوب بن كلس بن عسلوج بن الحسن لقبض الخراج ، فامتنع أن يأخذ إلا دينارا معزيا ، فاتضع الدينار الراضي وانحط ونقص من صرفه ، أكثر من ربع دينار ، وكان صرف الدينار المعزى خمسة عشر درهما ونصفا .
وفي أيام الحاكم بأمر الله - أبى على المنصور بن المعزّ - تزايد أمر الدراهم في شهر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وثلاثمائة فبلغت أربعة وثلاثين درهما بدينار ، ونزل السعر واضطربت ؟ ؟ أمور الناس ، فرفعت تلك الدراهم وأنزل من القصر عشرون صندوقا فيها دراهم جدد فرفعت للصيارف ، وقرئ سجل يمنع المعاملة بالدراهم الأولى وترك من في يده شيء منها ثلاثة أيام ، وأن يورد جميع ما تحصل
رسائل المقريزي — صفحة 169
مساهمون: المقريزي
ص١٦٩