الدرهم فركب الرطل ومن الرطل تركب المد ، ومن المد تركب الصاع وما فوقه ، وفي ذلك طرق حسابية مبرهنة بأشكال هندسية ليس هذا موضع إيرادها .
وكان مما ضرب الحجاج الدراهم البيض ونقش عليها
« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »
فقال القرّاء : قاتل الله الحجاج ، أي شيء صنع للناس ! ! الآن يأخذ الدرهم الجنب والحائض .
وكانت الدراهم قبل منقوشة بالفارسية ، فكره ناس من القراء مسّها وهم على غير طهارة وقيل لها : المكروهة ، فعرفت بذلك .
ووقع في المدينة أن مالكا - رحمه الله - سئل عن تغيير كتابة الدنانير والدراهم لما فيها من كتاب الله عز وجل . فقال : أول ما ضربت على عهد عبد الملك بن مروان ، والناس متوافرون ، فما أنكر أحد ذلك وما رأيت أهل العلم أنكروه ، ولقد بلغني أن ابن سيرين كان يكره أن يبيع بها ويشترى ، ولم أر أحدا من ذلك هاهنا ، يعنى - رحمه الله تعالى - أهل المدينة النبوية .
وقيل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى : « هذه الدراهم البيض ، فيها كتاب الله تعالى ، يقبلها اليهودي والنصراني والجنب والحائض ، فإن رأيت أن تأمر بمحوها فقال : أردت أن تحتج علينا الأمم أن غيّرنا توحيد ربنا واسم نبينا صلى اللّه عليه وسلّم .
مات عبد الملك والأمر على ما تقدم ، فلم يزل من بعده في خلافة الوليد ثم سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن عبد العزيز إلى أن استخلف يزيد بن عبد الملك فضرب الهبيريّة « 1 » بالعراق عمر بن هبيرة على عيار ستة دوانيق ، فلما قام هشام بن عبد الملك وكان جموعا للمال ، أمر خالد بن عبد الله القسري في سنة ست ومائة من الهجرة أن يعيد العيار إلى وزن سبعة ، وأن يبطل السكك من كل بلدة ، إلا واسطا « 2 » فضرب الدراهم بواسط فقط ، وكبّر السكة فضربت الدراهم على السكة الخالدية حتى عزل خالد في سنة عشرين ومائة ، وتولى من بعده يوسف بن عمر الثقفي ، فصغّر السّكة وأجراها على وزن ستة وضربها بواسط وحدها حتى قتل الوليد بن يزيد في سنة ست وعشرين ومائة .
هامش
( 1 ) الهبيرية : نوع من النقود العراقية تنسب إلى عمر بن هبيرة .
( 2 ) تسمى واسط الحجاج ، لأنه أعظمها وأشهرها ، وهي من أشهر مدن العراق في العصر العباسي .