وأول من صدرت عنه هذه المقالة : الجعد بن درهم « 1 » .
رأى القدرية في الحكمة والتعليل :
الصنف الثاني : القدرية النفاة الذين يثبتون نوعا من الحكمة والتعليل لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه ، بل يرجع لمحض مصلحة المخلوق ومنفعته ، فعندهم أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم ، وأنها بمنزلة استيفاء الأجير أجره ، قالوا : ولهذا يجعلها سبحانه وتعالى عوضا كقوله :
وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 2 »
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 3 »
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 4 »
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 5 » وفي الصحيح : « إنما هي أعمالكم أحصيها لكم « 6 » ثم أوفيكم إياها » « 7 » .
قالوا : وقد سماها جزاء وأجرا وثوابا ؛ لأنه شيء يثوب إلى العامل من عمله أي يرجع إليه .
قالوا : ويدل عليه الموازنة ، فلولا تعلق الثواب بالأعمال عوضا عليها لم يكن للموازنة معنى .
تناقض الجبرية والقدرية :
وهاتان الطائفتان متقابلتان ، فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة ، وجوزت أن يعذب الله من أفنى عمره في الطاعة ، وينعم من أفنى عمره في مخالفته ، وكلاهما سواء بالنسبة إليه ، والكل راجع إلى محض المشيئة . والقدرية
هامش
( 1 ) الجعد بن درهم أحد رؤوس الجهمية يقال : إنه أول من ابتدع نفى محبة الله ، وتكليمه سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام وكان ذلك في أوائل المائة الثانية فضحّى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق بواسط وقتله يوم عيد الأضحى . انظر تفصيل ذلك في شرح القصيدة النونية ( 1 / 30 ، 31 ) لابن القيم ، الفرق بين الفرق ( ص 262 ) للبغدادي ، الرد على الجمهية ( ص 110 ) لعثمان الدارمي .
( 2 ) الأعراف : 43 .
( 3 ) النمل : 90 .
( 4 ) النحل : 32 .
( 5 ) الزمر : 10 .
( 6 ) في المخطوط : ( عليكم ) . والتصويب من صحيح مسلم .
( 7 ) جزء من الحديث القدسي المروى عن أبي ذر . رواه مسلم ك : البر ( 55 / 2577 ) ، وأحمد في مسنده ( 5 / 160 ) ، والحاكم في المستدرك ك : التوبة ( 4 / 241 ) ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ( 5 / 125 ) .