تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل المقريزي — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
ولا قدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى ولا يبعث من في القبور ليبين لعباده الذي كانوا فيه يختلفون وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين .

عبادة غير اللّه عبادة للشيطان :

وبالجملة فهذا باب واسع ، والمقصود أن كل من عبد مع اللّه غيره فإنما عبد شيطانا قال تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
« 1 » فما عبد أحد من بني آدم كائنا من كان إلا وقد وقعت عبادته للشيطان فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه ، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع اللّه تعالى ، وذلك غاية رضا الشيطان ؛ ولهذا قال تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ
أي من إغوائهم وإضلالهم وقال :
وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
« 2 » فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند اللّه ، وأنه لا يغفره بغير التوبة منه ، وأنه موجب للخلود في العذاب ، وأنه ليس تحريمه قبحه بمجرد النهى عنه فقط ، بل يستحيل على اللّه سبحانه وتعالى أن يشرع لعباده عبادة إله غيره ، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله .

مراتب الناس في عبادة اللّه :

واعلم أن الناس في عبادة اللّه تعالى والاستعانة به أقسام ، أجلها وأفضلها أهل العبادة والاستعانة باللّه عليها ، فعبادة اللّه غاية مرادهم ، وطلبهم منه أن يعينهم عليها ويوفقهم للقيام بها نهاية مقصودهم ؛ ولهذا كان أفضل ما يسأل الرب تعالى الإعانة على مرضاته ، وهو الذي علمه النبي صلى اللّه عليه وسلّم لمعاذ بن جبل فقال : « يا معاذ ، واللّه إني أحبك ، فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة : اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك » « 3 » ، فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته تعالى « 4 » .
هامش
( 1 ) يس : 60 . ( 2 ) الأنعام : 128 . ( 3 ) رواه أبو داود ك : الصلاة ( 1522 ) ، والنسائي ك : السهو ( 3 / 53 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 691 ) ، وأحمد في مسنده ( 5 / 247 ) ، وابن حبان ( موارد 2432 ) وصححه ، والحاكم ( 1 / 273 ) وأقره الذهبي . ( 4 ) اقتبس المقريزي من كلام العلامة ابن القيم الجوزية في هذا التقسيم لمراتب الناس في العبادة . انظر مدارج السالكين ( 1 / 23 ) لابن القيم والتفسير القيم ( ص 69 ) .