فداوم حالك وبقاء النّعمة عليك ، بتقديرك أمورك على قدر الزمان ، وبقدر الإمكان ، فقد قال الشاعر :
من سابق الدّهر كبا كبوة * لم يستقلها من خطى الدّهر
فاخط مع الدّهر على ما خطا * واجر مع الدّهر كما يجري
[ 9 - الصمت والمنطق ]
واعلم أنّ الصمت في موضعه ربّما كان أنفع من الإبلاغ بالمنطق في موضعه ، وعند إصابة فرصته . وذاك صمتك عند من يعلم أنّك لم تصمت عنه عيّا ولا رهبة . فليزدك في الصّمت رغبة ما ترى من كثرة فضائح المتكلّمين في غير الفرص ، وهذر من أطلق لسانه بغير حاجة .
[ 10 - الشجاعة ]
واعلم أنّ الجبن جبنان ، والشّجاعة شجاعتان ، وليست تكون الشجاعة إلّا في كلّ أمر لا يدرى ما عاقبته ، يخاطر فيه بالأنفس والأموال . فإذا أردت الحزم في ذلك فلا تشجّعنّ نفسك على أمر أبدا إلّا والذي ترجو من نفعه في العاقبة أعظم ممّا تبذل فيه في المستقبل ، ثم يكون الرجاء في ذلك أغلب عليك من الخوف .
وهاهنا موضع يحتاج فيه إلى النظر : فإن كان ذلك أمرا واجبا في الدّين ، أو خوفا لعار ؟ ؟ ؟ بّ به الأعقاب فأنت معذور بالمخاطرة فيه بنفسك ومالك . وإن كان أمرا تعظم منفعته في الدنيا إلّا أنّك لا تناله إلّا بالخطار بمهجة نفسك أو بتعريض كلّ مالك للتّلف ، فالإقدام على مثل هذا ليس بشجاعة ، ولكن حماقة بيّنة عند الحكماء .
وقد قالت علماء أوائل الناس :
لا يرسل السّاق إلّا ممسكا ساقا