لا محالة فالعموم لا يكون واردا على الافراد بل يكون واردا على الجمع ومفيد الثبوت
الحكم لجميع مصاديق الجمع بما هو جمع لكنه على ذلك لا يكون للجمع المعرف
باللام دلالة على العموم الافرادي مجموعيا كان أم استغراقيا ومن الواضح ان الامر ليس
كذلك فالظاهر أن الأداة وهيئة الجمع تردان معا على المادة في عرض واحد ويستفاد
العموم من ورود هما معا عليها فالعموم يكون وارد أعلى نفس الطبيعة فيستفاد منه
العموم الاستغراقي وتحتاج حينئذ إفادة العموم المجموعي إلى مؤنة زائدة واما النكرة
في سياق النفي أو النهى فاستفادة السالبة الكلية منها وإن كانت مما لا تنكر الا ان السلب
فيهما متعلق بنفس الطبيعة فيدل على سلب جميع افرادها واما تعلق السلب بمجموع
الافراد فهو لازم تعلقه بالجميع لا انه بنفسه مدلول للكلام لما عرفت من احتياج اعتبار
الأمور الكثيرة أمرا واحدا إلى عناية زايدة فمع عدم القرينة عليها لا موجب لحمل الكلام
على العموم المجموعي ( ثم إن ) امتثال الحكم في العام المجموعي إذا كان ايجابيا لا يكون
الا بالاتيان بجميع الافراد واما إذا كان تحريميا فيمكن أن يكون المطلوب مجموع
التروك فلو أخل بواحد منها لم يتحقق الامتثال أصلا ويمكن أن يكون المطلوب
ترك المجموع فيتحقق الامتثال بترك بعض الافراد فلابد في تعيين كل واحد منهما من
قرينة خارجية .
الأمر الرابع : انه وقع الكلام في أن العام المخصص هل هو حقيقة أو مجاز فيه
أقوال ثالثها التفصيل بين المخصص المتصل والمنفصل ورابعها التفصيل بين الاستثناء
وغيره والحق كونه حقيقة مطلقا وفاقا للمحققين من المتأخرين وقد استدل على المختار
بوجوه ( الأول ) ( 1 ) ان العموم في العام المخصص وان لم يكن مراد للمتكلم بالإرادة
هامش
( 1 ) لا يخفى ان هذا الوجه هو الوجه الصحيح لاثبات عدم استلزام التخصيص بالمنفصل كون
العام مجازا وتقريبه على وجه يسلم من الاشكال انما هو بان يقال إن لكل لفظ دلالتين إحديهما
دلالته على أن المتكلم به أراد به تفهيم معناه وثانيهما دلالته على أن تلك الإرادة إرادة جدية
وغير ناشئة من الدواعي الاخر كالإمتحان والسخرية ونحوهما اما الدلالة الأولى فقد عرفت
في مبحث الوضع انها مستندة إلى الوضع أعني به تعهد المتكلم بأنه متى ما أراد تفهيم معنى ما
تكلم بلفظ مخصوص وقد ذكرنا هناك ان الدلالة الوضعية منحصرة في ذلك وان الانتقال
من سماع اللفظ إلى المعنى ولو كان اللافظ بغير شعور واختيار غير مستند إلى الوضع وانما
هو ناشئ من الانس الحاصل من كثرة استعمال لفظ ما في معناه وقد مر توضيح ذلك في المبحث
المزبور فراجع واما الدلالة الثانية أعني بها دلالة اللفظ على أن إرادة تفهيم معناه إرادة
جدية فهي غير مستندة إلى الوضع ليكون اللفظ المستعمل في معناه لا بداعي الجد مجازا
بل هي مستندة إلى بناء العقلاء على حمل كل ما يصدر من الفاعل بالاختيار من قول أو فعل على أنه
صدر بداعي الجد لا بغيرة من الدواعي إذا عرفت ذلك فنقول ان العام متى ما استعمل في
الخارج بلا نصب قرينة على عدم إرادة معناه الحقيقي فهو يدل بالدلالة الوضعية على أن المتكلم
به أراد تفهيم المخاطب لتمام معناه كما أنه ببناء العقلاء يدل على أن ارادته تفهيم المعنى إرادة
جدية وناشئة عن كون الحكم المجعول على العام ثابتا له واقعا لكن الدلالة الثانية المعبر عنها
بالحجية كما يتوقف على عدم وجود ما يكون قرينة على اختصاص الحكم ببعض الافراد في
كلام المتكلم كذلك تتوقف على عدم الاتيان بقرينة الاختصاص بعد ذلك ضرورة ان وجود
القرينة المنفصلة يكون مانعا من كشف ظهور العام عن كون الحكم المجعول له ثابتا له
بنحو العموم في الواقع فالقرينة المنفصلة انما تزاحم حجية ظهور العام الثابتة ببناء العقلاء
ولا تزاحم أصل ظهوره الثابت بالوضع ومن الواضح ان رفع اليد عن حجية الظهور لدليل
لا يقتضى رفع اليد عن نفس الظهور ضرورة انه لا ملازمة بين إرادة تفهيم المخاطب إرادة
العموم بحسب التعهد المزبور وكون إرادة التفهيم ناشئة عن ثبوت الحكم لجميع افراد
العام في الواقع فإذا فرضنا ان المولى لا يريد في الواقع الا اكرام خصوص العالم الذي
لا يكون فاسقا وكانت في بيان التقييد بالمتصل مفسدة أو كانت في تأخير بيا أنه مصلحة فلا محالة تكون
مصلحة التسهيل في البيان مقتضية لالقاء الكلام على نحو العموم الدال على إرادة تفهيم العام
بحسب الوضع ثم الاتيان بالمخصص المنفصل الدال على اختصاص الحكم في الواقع بغير افراد
الخاص الكاشف عن أن الداعي إلى إرادة تفهيم العام لم يكن هي الإرادة الجدية الناشئة عن
ثبوت الحكم لجميع افراد العام في الواقع وبالجملة استعمال اللفظ في معناه أعني به إرادة
المتكلم تفهيم المخاطب لمعنى اللفظ الموضوع له أمر وكون هذه الإرادة جدية وناشئة
عن ثبوت الحكم لجميع افراد المستعمل فيه أمر آخر والمخصص المنفصل انما يكون كاشفا
عن عدم ثبوت الحكم لجميع افراد العام في الواقع لا عن كون استعمال العام استعمالا مجازيا
وقد عرفت ان الميزان في كون اللفظ حقيقة انما هو استعماله في معناه ولو لم يكن ذلك
الاستعمال ناشئا عن الإرادة الجدية وبما ذكرناه يظهر ما في كلام الأستاذ قدس سره
في المقام فتدبر جدا