والأغراض الحسنة فليتأمل بأن ما ابتلى به من العداوة أقبح من جهات عديدة عما صدر من أخيه وهو أولى بالملامة والتأنيب منه ، لأنه تدثّر فعلا بجلباب البغضاء الذي هو من موبقات الإثام ومقدمة قريبة لجملة من الكبائر العظام ، كالحسد والغيبة والبهتان والمضرات وترك ما تقدم من الحقوق والآداب والأوامر الأكيدة الدالة على عدم جواز سوء الظنّ بأخيه ، وحمل فعله على المحامل الجميلة التي تأتي فيه كالجهل والسهو والنسيان عنه ، أو عن فعله والخوف من غيره ، واعتقاد كون مصلحته فيه والإنساء الإلهي لمصالح تقتضيه قال اللّه تعالى :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
، وقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
.
وفي الكافي عن أمير المؤمنين ( ع ) : ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك بما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء وأنت تجد لها في الخير محملا ، وفيه عن الصادق ( ع ) : من اتّهم أخاه في دينه فلا حرمة بينهما ، ومن عامل أخاه بمثل ما عامل به الناس فهو بريء مما ينتحل ، وعنه ( ع ) : إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الماء في الملح « 1 » .
وفي تفسير العياشي عنه ( ع ) : لما نزلت المائدة على عيسى ( ع ) قال للحواريين : لا تأكلوا منها حتى آذن لكم ، فأكل منها رجل منهم ، فقال بعض الحواريين : يا روح اللّه أكل منها فلان ، فقال له عيسى ( ع ) : أكلت منها ؟
فقال : لا ، فقال الحواريون : بلى واللّه يا روح اللّه لقد أكل منها ، فقال عيسى ( ع ) : صدّق أخاك وكذّب بصرك ، وفيه عن محمد بن فضيل عن أبي الحسن موسى ( ع ) قال : قلت له : جعلت فداك الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه فأسأله عنه ، فينكر ذلك وقد أخبرني عنه قوم ثقات ، فقال لي : يا محمد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا فصدّقه وكذّبهم ، ولا تذيعن عليه شيئا يشينه به ويهدم مروته
هامش
( 1 ) ماث الشيء في الماء : أذابه فيه وانماث مطاوع ماث أي اختلط وذاب .