والإقرار بعظمته وكبرياءه عند إهدنا الصراط المستقيم إن هداية اللّه يتنوع أنواعا كثيرة تجمعها أربعة أجناس مترتبة :
أولها : إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوى العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة .
وثانيها : نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد ، وإليه أشار بقوله تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
، وقال تعالى :
فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
.
وثالثها : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإليه أشار بقوله تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
، وقوله تعالى :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
.
ورابعها : أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء بالوحي الإلهي كما مر أو بالإلهام والمنامات الصادقة ، وهذا القسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء ، وإليه أشار بقوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
، وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
إلى أن قال :
والإقرار بعظمته وكبرياءه إشارة إلى المقام الرابع ، فإن من ارتقى إلى تلك الغاية ، ووصل إلى شريف تلك المرتبة ، وانغمس في أنوار تلك الهيبة ، واغترف من بحار الأسرار الإلهية ، اعترف بمزيد الكبرياء والعظمة ، بل اضمحل وفني في تلك المرتبة ، وعرف أن كل شيء هالك إلا وجهه ، فإذا طلب العارف الهداية إلى الصراط المستقيم فطلبه هذه المنزلة لتمكنه مما سبق والناس فيها على حسب مراتبهم ؛ انتهى كلامه الشريف ، وتخصيصه طريقية المنام بمن ذكر خلاف الوجدان ، بل هو طريق للجميع ، كل بحسب مرتبته ، نعم يختص بهم لمطالب أخرى يأتي ذكرها إنشاء اللّه .
ووجه آخر أنها لكونها من الحوادث يستدل بها على وجود عالم قادر مختار ، وتزيد عليها في الدلالة لشدة لطافتها ، ودقة مأخذها وفسحة عالمها ، وكثرة العجائب المودعة فيها ، فإن الحادث كلما كان أتم وأعجب وأتقن كان