تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
الليث : حَرِيم الدَّارِ ما أُضِيف إليها وكان من حُقوقها ومرافقها . وحريم النَّهر مُلْقَى طِينِه والمَمْشى على حافَتَيْه ونحو ذلك . والحريمُ الذي حَرُم مَسُّه فلا يُدنَى منه . وكانت العربُ في الجاهلية إذا حَجّت البيتَ تخْلَعُ ثيابها التي عليها إذا دَخَلُوا الحَرَم ، ولم يلْبَسُوها ما داموا في الحَرَم . ومنه قول الشاعر :
لَقىً بين أيدي الطائفين حَرِيمُ
وقال المفسِّرون في قول اللَّه جلّ وعزّ :
( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )
[ الأعرَاف : 31 ] كان أَهْلُ الجاهليَّة يطوفون بالبيت عُرَاةً ، ويقولون لا نَطوف بالبيت في ثيابٍ قد أذْنَبْنَا فيها ، وكانت المرأةُ تطُوف عُرْيانَةً أيضاً ، إلا أنها كانت تلبَسُ رَهْطاً من سُيُورٍ وقالت امرأة من العرب :
اليوم يَبْدُو بَعْضُه أو كُلُّه * ومَا بَدَا مِنْه فَلَا أُحِلُّه
تعني فرجَها أَنَّه يظهر من فُرُوج الرَّهْطِ الذي لبسته ، فأمر اللَّه بَعْدَ ذكْرِه عُقُوبَةَ آدَمَ وحوّاءَ بِأَنْ بَدَتْ سَوْآتُهما بالاستِتَار ، فقال
( يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )
وأَعلم أَن التَّعَرِّيَ وظهورَ السَّوْءَةِ مكروه ، وذلك من لَدُن آدَمَ . وقال الليثُ : تقول : هذا حَرَامٌ والجميع حُرُمٌ قال الأعشى :
تَهادِي النهارَ لجاراتهم * وبالليل هُنَّ عليهم حُرُم
والمحْرُومُ : الذي حُرِمَ الخيْرَ حِرْماناً في قول اللَّه جلّ وعزّ :
( لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ
) * [ الذّاريَات : 19 ] . وأما قوله جلّ وعزّ :
وَحَرامٌ
عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) 95 [ الأنبيَاء : 95 ] قال قتادةُ عن ابن عباسٍ : معناه واجِبٌ عَلَيْها إذا هَلَكَتْ ألّا تَرْجِعَ إلى دُنْيَاها . و قال أبو مُعَاذٍ النحويُّ : بَلَغني عن ابن عباس أنّه قَرَأَهَا ( وحَرِمَ على قرية ) يقول وجب عليها . قال وحدِّثت عن سعيد بن جبير أنه قَرَأها ( وحِرْمُ على قرية ) فسئل عنها فقال عزم عليها وقال أبو إسحاق في قوله
( وَحَرامٌ
عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ) يحتاج هذا إلى أن يبيَّن ، وهو - واللَّه أعلم - أنه جلّ وعزّ لما قال
( فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ )
[ الأنبيَاء : 94 ] أعْلَمَنَا أنَّه قد حرم أعمالَ الكفار ، فالمعنى
حَرامٌ
عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ، أَنْ يُتَقَبَّل مِنْهُمْ عَمَلٌ ل
أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ
أي لا يتوبون . و أخبرني المنذريُّ عن ابن أبي الدُّمَيْكِ عن حميد بن مَسْعدةَ عن يزيد بن زُرَيْعِ عن داودَ عن عِكْرِمَة عن ابن عباس أنه قالَ في قوله ( وحرم على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون ) 95 [ الأنبيَاء : 95 ] قال : وَجَبَ على قَرْيةٍ أهلكناها أَنَّهُ لا يَرجِع منهم رَاجِعٌ : لا يتوب منهم تائبٌ . قلت وهذا يؤيد ما قاله الزجّاج . وروى الفَرّاء بإسناده عن ابن عباس « حِرْمٌ » قال وقرأ أهل المدينة ( وحرم ) قال الفراء ( وحرم ) أَفْشَى في القراءة .
تهذيب اللغة — صفحة 32 | أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري