تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
النهروان على معسكره ، فغرِق ذلك الكتاب في جملة ما غرق من سواد العسكر . ورأيت أنا من أوّل ذلك الكتاب تفاريق أجزاء بخط محمد بن قَسْورَة ، فتصفَّحتُ أبوابها فوجدتها على غاية الكمال . واللَّه يغفر لأبي عمرو ويتغمدُ زلته . والضنُّ بالعلم غير محمود ولا مبارَك فيه . وكان أبو تراب الذي ألف كتاب « الاعتقاب » قدم هَرَاة مستفيداً من شِمْر ، وكتب عنه شيئاً كثيراً . وأملى بهراة من كتاب « الاعتقاب » أجزاء ثم عاد إلى نيسابور وأملى بها باقيَ الكتاب . وقد قرأت كتابه فاستحسنته ، ولم أره مجازِفاً فيما أودَعه ، ولا مصحِّفاً في الذي ألّفه . وما وقع في كتابي لأبي ترابٍ فهو من هذا الكتاب . وتوفي شمر رَحِمه اللَّه - فيما أخبرني الإيادي - سنة خمس وخمسين ومائتين . وكان أبو الهيثم الرازي : قدِم هراة قبل وفاة شِمر بِسُنَيَّاتٍ فنظر في كتبه ومُصَنَّفاته وعَلِقَ يَرُدُّ عليه ، فَنُمِي الخَبَرُ إلى شِمْر فقال : « تَسَلَّحَ الرازيّ عليّ بكتبي ! » وكان كما قال ؛ لأني نظرتُ إلى أجزاء كثيرة من أشعار العرب كتبها أبو الهيثم بخطِّه ثم عارضها بنسخ شمر التي سمعها من الشاه صاحب المؤرّج ، ومن ابن الأعرابي ، فاعتبرَ سماعَه وأصلح ما وجد في كتابه مخالفاً لخطّ شِمر بما صحَّحه شِمر . وكان أبو الهيثم رَحِمه اللَّه عِلمُه على لسانه ، وكان أعذبَ بياناً وأفطنَ للمعنى الخفيِّ ، وأعلم بالنحو من شِمر وكان شمر أروى منه للكتب والشِّعر والأخبار ، وأحفظَ للغريب ، وأرفقَ بالتصنيف من أبي الهيثم . وأخبرني أبو الفضل المنذري أنه لازمَ أبا الهيثم سنين ، وعرض عليه الكتب ، وكتب عنه من أماليه وفوائده أكثر من مائتي جِلد ، وذكر أنه كان بارعاً حافظاً صحيح الأدب ، عالماً ورعاً كثير الصلاة ، صاحبَ سُنَّة . ولم يكن ضنيناً بعلمه وأدبه . وتوفي سنة ست وسبعين ومائتين ، رَحِمه اللَّه . وما وقع في كتابي هذا لأبي الهيثم فهو مما أفادنيه عنه أبو الفضل المنذريّ في كتابه الذي لقّبه « الفاخر والشامل » . وفي الزيادات التي زادها في « معاني القرآن » للفرّاء ، وفي كتاب « المؤلَّف » ، وكتاب « الأمثال » لأبي عبيد . ومن هذه الطبقة من العراقيين أبو العباس أحمد بن يحيى الشيباني : الملقّب بثعلب ، وأبو العباس محمد بن يزيد الثُّمَالي الملقَّب بالمبرّد .