تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 5

مساهمون:

ص٥

[ مقدمة المؤلف ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
قال أبو منصور محمد بن أحمد بن طلحة بن نوح بن الأزهر الأزهريّ ، رَحِمَه اللَّه : الحمد للَّه ذي الحول والقدرة بكلِّ ما حَمِد به أقربُ عبادِه إليه ، وأكرم خلائقه عليه ، وأرضى حامدِيه لديه ، على ما أسبغَ علينا مِن نِعمه الظاهرة والباطنة ، وآتاناه من الفهم في كتابه المنزل على نبيّ الرحمة سيد المرسلين وإمام المتَّقين ، محمدٍ صلى اللَّه عليه وعلى آله الطيبين ، صلاة زاكية نامية وأزلفَ مقامه لديه ؛ ووفقنا له من تلاوته ، وهدانا إليه من تدبُّر تنزيله ، والتفكُّر في آياته ، والإيمان بمحكمه ومتشابهه ، والبحث عن معانيه ، والفحص عن اللغة العربية التي بها نزلَ الكتاب ، والاهتداء بما شرع فيه ودعا الخلق إليه ، وأوضح الصراط المستقيم به ؛ إلى ما فضّلنا به على كثير من أهل هذا العصر في معرفة لغات العرب التي بها نزلَ القرآن ، ووردت سنَّة المصطفى النبي المرتضى عَلَيهِ السَّلام . قال جلَّ ثناؤه :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[ يُوسُف : 2 ] ، وقال جلّ وعزّ :
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
[ الشُّعَرَاء : 192 - 195 ] . وخاطبَ تعالى نبيَّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
[ النّحل : 44 ] . قلت ، والتوفيقُ من اللَّه المجيدِ للصَّواب : نزلَ القرآنُ الكريمُ والمخاطَبون به قومٌ عَرَب ، أولو بيانٍ فاضلٍ ، وفهم بارع ، أنزله جلّ ذكره بلسانهم ، وصيغة كلامهم الذي نشئوا عليه ، وجُبِلوا على النطق به ، فتدَرّبوا به يعرفون وجوه خطابه ، ويفهمون فنون نظامه ، ولا يحتاجون إلى تعلُّم مشكله وغريب ألفاظه ، حاجةَ المولدين الناشئين فيمن لا يعلم لسانَ العرب حتى يعلَّمَه ، ولا يفهم ضروبه وأمثاله ، وطرقه وأساليبه ، حتّى يفَهَّمَها . وبيَّن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للمخاطبين من أصحابه رضي اللَّه عنهم ما عَسَى الحاجةُ إليه من معرفةِ بيان لمجمل الكتاب وغامضه ، ومتشابهه ، وجميع وجوهه التي لا غنى بهم وبالأمّة عنه ، فاستغنَوا بذلك عمّا نحن إليه محتاجون ، من معرفة لغات العرب واختلافها والتبحُّر