تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تهذيب اللغة — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
صيرتَ واحداً منها اسماً قوّيته بحرفٍ ثالث مُخرجٍ من حرفٍ ثان كقوله :
إنّ ليتاً وإنّ لوًّا عناءُ
جعل لوًّا اسماً حين نعَتَه . وروى الليث بن المظفر عن الخليل بن أحمد في أول « كتابه » : هذا ما ألّفه الخليل بن أحمد من حرف : ا ب ت ث ، التي عليها مدار كلام العرب وألفاظها ، ولا يخرج شيء منها عنها ؛ أراد أن يعرف بذلك جميع ما تكلمت به العرب في أشعارها وأمثالها وألا يشذّ عنه منها شيء . قلت : قد أشكل معنى هذا الكلام على كثير من الناس حتى توهّم بعض المتحذلقين أن الخليل لم يَفِ بما شرَط ، لأنَّه أهمل من كلام العرب ما وُجد في لغاتهم مستعملًا . وقال أحمد البشتيّ الذي ألَّف كتاب « التكملة » : نقضَ الذي قاله الخليل ما أودعناه كتابنا هذا أصلًا ؛ لأنَّ كتابنا يشتمل على ضعفَيْ « كتابِ الخليل » ويزيد . وسترى تحقيق ذلك إذا حُزْت جملتَه ، وبحثت عن كنهه . قلت : ولمَّا قرأت هذا الفصل من « كتاب البشتيّ » استدللت به على غفلته وقلة فطنته وضعف فهمه ، واشتففت أنه لم يفهم عن الخليل ما أراده ، ولم يفطن للذي قصَده . وإنما أراد الخليل رَحِمه اللَّه أن حروف ا ب ت ث عليها مدار جميع كلام العرب ، وأنه لا يخرج شيء منها عنها ، فأراد بما ألّف منها معرفةَ جميع ما يتفرع منها إلى آخره ، ولم يُرد أنه حصَّلَ جميع ما لفظوا به من الألفاظ على اختلافها ، ولكنه أراد أنّ ما أسَّسَ ورسَم بهذه الحروف وما بين من وجوه ثنائيِّها وثلاثيّها ورُباعيّها وخماسيّها ، في سالمها ومعتلّها على ما شرح وجوهها أوَّلًا فأوَّلًا ، حتى انتهت الحروف إلى آخرها - يُعرف به جميع ما هو من ألفاظهم إذا تُتُبِّع ، لا أنّه تتبعه كلّه فحصَّله ، أو استوفاه فاستوعبه ، من غير أن فاته من ألفاظهم لفظة ، ومن معانيهم للفظ الواحد معنًى . ولا يجوز أن يخفى على الخليل مع ذكاء فطنته وثقوب فهمه ، أن رجلًا واحداً ليس بنبيٍ يُوحى إليه ، يُحيط علمُه بجميع لغات العرب وألفاظها على كثرتها حتى لا يفوته منها شيء وكان الخليل أعقل من أن يظنَّ هذا ويقدِّره ، وإنما معنى جِماع كلامه ما بيَّنته . فتفهمْه ولا تغلط عليه . وقد بيَّن الشافعي رَضي اللَّه عنه ما ذكرته في الفصل الذي حكيته عنه في أول كتابي هذا فأوضحه . أعاذنا اللَّه من جهل الجاهل ، وإعجاب المتخلف ، وسَدَّدنا للصواب بفضله .