كتاب الجمهرة
وضع الخليل أساسا متينا للتأليف المعجمي العربي وخطّ نهجا لا يمكن أن يغفله من يتصدّى بعده لوضع معجم . ولعل أهمّ ما عمل الخليل أنه ابتدع ، في العربية ، طريقة تحصر اللغة وتستوعبها جميعا .
فمعجمات المعاني ، القائمة على موضوعات مستقلّة ، أي المؤلفات التي يقول عنها ابن سيدة إنها مبوّبة لا مجنّسة « 1 » ، لا يمكنها أن تحيط باللغة وتنتظمها مهما سعت إلى ذلك لأنها غير قائمة على خطة صوتية محكمة تجمع بين النظري والمستعمل من موادّ اللغة . ولأنّ بين هذين النوعين المعجميين فرقا في الفائدة - فالباحث في معجمات الألفاظ يعرف اللفظ ويبحث عن معناه وشواهده ومواطن استعماله ، والباحث في معجمات المعاني يعرف المعنى العامّ أو الباب ويطلب مفرداته وتراكيبه - فإن النوعين استمرّا في الوجود جنبا إلى جنب ؛ غير أن المعجم اللفظي ، الذي أرساه الخليل ، كان هو الغالب ، وعليه وحده يجب أن يطلق مصطلح « معجم » حقيقة لا مجازا .
ولنبيّين صنيع ابن دريد في الجمهرة وإسهامه في التأليف المعجمي العربي ، يحسن بنا أن نقف عند صنيع الخليل في العين ، لنحدّد بعد ذلك ، المواطن التي اتّبع فيها ابن دريد الخليل ، والمواطن التي فارقه فيها ، في التبويب والمادّة والشرح الخ . . .
تقوم خطّة الخليل في حصر اللغة على مبادئ ثلاثة ، أولها أن الحروف محدودة ، وقد جعلها تسعة وعشرين « 2 » إذ عدّ الألف اللينة والهمزة كلّا على حدة فزاد على الثمانية والعشرين المعهودة « 3 » . والمبدأ الثاني أن الحروف والأفعال والأسماء إنما تكون من أصول محدودة ، فأقلّها ثنائي وأكثرها خماسي ، كما زعم « 4 » . وعلى ذلك قسم الخليل الأبنية كما يلي :
( أ ) الثنائي الصحيح ، أي ما كان على حرفين صحيحين ، نحو قد ، وكذلك ما شدّد ثانيه ، نحو
هامش
( 1 ) المخصّص 1 / 10 .
( 2 ) العين 1 / 57 .
( 3 ) نفسه 1 / 48 .
( 4 ) نفسه 1 / 48 - 49 .