2 - من الزاهد
بعد أن نبيّنا جادة الصواب في الزهد ، يجدر بنا أن نبحث عن صورة لحياة الزاهد في الدنيا ، فربما قدّم لنا الوصف مزيدا من وضوح النهج أمامنا ، وقد ورد في كتاب النهج وصف الزهاد في أكثر من موضع ولكنّ أوجزه وأشملة ما جاء في : « كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها ، فكانوا فيها كمن ليس منها ، عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلّب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ، ويرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشد إعظاما لموت قلوب أحيائهم » ( 11 ) الزاهد : من أهل الدنيا ، يعيش جسديا على الخبز والماء والهواء . وليس من أهلها فيما عدا ذلك فهو مشغول بالآخرة انشغالهم بالدنيا . يفتدى بعقله ( بصيرته ) افتداءهم بأهوائهم ، يطلب الموت بمقدار ما يفرون منه لأنه مطمئن إلى ما بعده وهم خائفون ، عصم بدنه عن ملاذّها ونذره للآخرة بقدر ما اعرفوا أبدانهم بالمتع ، فهان عنده موت الجسد بقدر ما عظم عندهم ، واستعظم رسوخ قلوبهم في الدنيا بقدر ما غرقوا في الغفلة . وكأنّ الغربة في الدنيا صارت شعبة من شعب الزهد . وهذا مصداق الحديث الشريف : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » ونقرأ - في هذا - القاعدة الأساسية لحياة الزاهد لا جملة أخلاقه ومبادئه وفضائله التي سنعود إليها في بحث سمات زهد الإمام ( ع )