تشغله عن غيرها أي عن الآخرة فمن اشتغل بالدنيا نسي الآخرة ونسي يوم الحساب وراح يبحث عن سبل تحصيل المال والجاه والسلطة وغيرها .
ثم بين له إن هذا الإنسان إذا أدرك منها شيئا قليلا انفتحت أمامه أبوابها وأخذ يطرق تلك الأبواب بشوق ورغبة وأضحى حريصا عليها متمسكا بها يخاف فواتها ويرغب في الزيادة منها ولا يكفي في نظره ما يدركه ويحصل عليه عما لم يدركه ويقع تحت يديه بل يبقى يرى البعيد عنه بحاجة إليه ولذا يطلبه ولا يشبع مما يدركه . . . دائما وباستمرار يمتد نظره إلى ما لم يقع تحت يديه ويظن أنه بحاجة إليه ولا يستغني عنه .
وهذا الإنسان الضعيف الذي يجمع ويطمع ولا يقنع فإن كل ما يجمعه ويكسبه سيتخلى عنه ويتركه للوارث والحوادث . . . سيتركه خلفه عندما يلف في كفنه ويغادر الدنيا إلى الآخرة . . . وستنهدم كل تطلعاته التي كان يعزم على تحقيقها وينوي تنفيذها . . . كل مشاريعه التي كان يرسمها قد أفسدها الموت وأبطلها ، وهكذا يأتي الموت فيوزّع ما جمع ويشتت ما لملم وما إليه سعى . . . ثم نبهه إلى أمر وهو أنه لو اعتبر بما مضى من عمره لحفظ ما بقي منه إشارة إلى أن الإنسان يجب أن يحفظ ما مضى من عمره ثم يأخذ منه العبرة ليكمل شوط حياته الباقي في خط اللّه وطاعته . . . فمن ضل في ماضي عمره فليأخذ العبرة منه ليصلح في المستقبل ما بقي منه . . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 500
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٥٠٠