تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
على صحة رأيك من خلال الدليل عليه هي الطريقة التي يسلكها العلماء والمحققون فإذا لم يسدوا جميع المنافذ المحتملة التي تخالف رأيهم لا يستطيعون إبداء رأيهم ووجهة نظرهم . . . إن الإمام في حديثه هنا يريد أن يقرر حقيقة عقلانية ، فيقول ( إذا أشكل عليك شيء من ذلك ) ولم تقدر أن تصل إلى حقيقته بعقلك وبصيرتك فلا تجحده ولا تنكره ولا ترده لأنك أول ما خلقت جاهلا ، خلقت طفلا لا تمتلك ذرة من العلم والثقافة ، ثم بالتدريج تعلمت . . . إنك كنت جاهلا لا تمتلك أي شيء من العلم ، ثم تدرجت في المعرفة حتى صرت تعرف بعض الأمور ، ولكن ما أكثر ما تجهل فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك فإنك أول ما خلقت جاهلا ثم ما أكثر ما تجهل من المعلومات . . . إنك لم تحط بجميع العلوم والفنون ومختلف الفروع والشؤون . . . إن كنت تمتلك ناصية علم الطب فأنت في غيره قد تكون جاهلا ، وإن كنت مخصصا في الهندسة فقد تكون في الفيزياء أميا جاهلا ، وهكذا دواليك ، واللّه سبحانه وتعالى يقول : وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ويخاطب اللّه رسوله قائلا : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ويقول تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . ويقول الشاعر :
فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة * حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
( واعلم يا بني أن أحدا لم ينبى ء عن اللّه سبحانه كما أنبأ عنه الرسول - صلّى اللّه عليه وآله - ، فارض به رائدا ، وإلى النجاة قائدا ، فإني لم آلك نصيحة . وإنك لن تبلغ في النظر لنفسك - وإن اجتهدت - مبلغ نظري لك ) سبقت الهداية البشرية . ومن اليوم الأول الذي خطت قدم الإنسان على هذه الأرض كانت النبوة معه تتقدم ركب الحياة هادية لئلا يكون للناس على اللّه حجة . والنبوة تعني السفارة بين اللّه وبين الإنسان تتلقى الأحكام وتأخذ الوصايا والتشريعات ثم تبلغها أهلها ، وقد تعددت النبوات وتكثرت حسب الظروف والأحوال التي مرت بها البشرية ، وقد كان خمسة من بين ذلك الرعيل يمثلون قمة النبوة سموا أولو العزم ، باعتبار أن دعوتهم عامة وشاملة لم تقتصر على شعب ولا وطن . وكانت كل رسالة لاحقة تنسخ الرسالة السابقة حتى وصل الأمر إلى رسالة الإسلام التي جاء بها رسول اللّه محمد عن اللّه ، فكانت الرسالة الخاتمة والمهيمنة على جميع الرسالات ، كانت هذه الرسالة هي الرسالة العالمية التي لم ولن تنسخ بغيرها من الأديان والرسالات . . . إنها رسالة اخترقت الزمان والمكان وتجاوزت الأجناس والألوان وبنت قواعدها على أسس متينة قوية لا مجال فيها لعنصرية أو طائفية أو امتيازات عشوائية . . .