المؤمنين عائشة خرجوا إلى البصرة فكانت موقعة الجمل الذي قتل فيها جمع غفير من المسلمين بما فيهم طلحة والزبير ونجت المرأة وبعد ذلك النبأ المروع تمرد معاوية في الشام ولم يكن قد أعطى الطاعة أو أعلن البيعة فجرت الرسل فأبى ابن أبي سفيان إلا تمردا وعنادا فما كان من الإمام إلا أن جهز جيشا لقتاله وهو أيضا في مقابله جهز جيشا بعد أن استدعى عمرو بن العاص واتخذه وزيرا وأعطاه مصرا طعمة . . . وفي أواخر سنة ست وثلاثين كان الجيشان في مواجهة بعضهما وهما على أهبة الاستعداد للقتال ولكنهما توادعا في شهر محرم من سنة سبع وثلاثين على أن يتركا الحرب هذا الشهر لعلهما يصلان إلى صلح فلما انقضى أنذرهم الإمام ودعاهم إلى الطاعة فأبوا وتمردوا فكانت موقعة صفين التي ذهبت بأعيان الصحابة ووجهاء الأمة وزعماء الملة والتي خلفت جرحا أعقبه شهادة الإمام وانتقال الخلافة إلى ابن هند . . . ونحن سنوجز الواقعة ونقتصر في تفاصيلها ونبين منها رأي الإمام وكيف رفض الهدنة مع معاوية ولم يقبل بوقف الحرب ولكنه غلب على رأيه ورأي الأشتر ومن معهما . . . كان القادة من جيش علي الأشتر النخعي على خيل الكوفة وسهل بن حنيف على جند البصرة وعمار بن ياسر على رجالة الكوفة وقيس بن سعد على رجالة البصرة وهاشم بن عتبة المرقال معه الراية وجعل مسعر بن فدكي على قراء الكوفة وأهل البصرة .
وأما معاوية فجعل على ميمنته ذي الكلاع الحميري وعلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفهري وعلى مقدمته أبا الأعور السلمي وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص وعلى رجالة دمشق مسلم بن عقبة المري وعلى الناس كلهم الضحاك بن قيس . . . ابتدأ القتال في أول صفر من سنة سبع وثلاثين وأخذ يشتد ويقوى حتى بلغ ذروته ومداه في ليلة هي أعظم ليلة لم يشهد مثلها العرب من ذي قبل تسمى ليلة الهرير .
وقد أشرف الأشتر في صبيحتها على عسكر معاوية ليدخله حتى وصل الأمر بمعاوية أن وضع رجله بالركاب وأراد الفرار .
وعندئذ أشار عمرو على معاوية بقوله الق إلى القوم أمرا إن قبلوه اختلفوا وإن ردوه اختلفوا أدعهم إلى كتاب اللّه حكما فيما بينك وبينهم فإنك بالغ به حاجتك في القوم وإني لم أزل أؤخر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه .
فعرف معاوية ذلك وقال : صدقت .
شرح نهج البلاغة — صفحة 277
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٧٧