وصل اليأس بالإمام أنه أقسم على هذه الأمور الثلاثة أنه أصبح لا يصدقهم فيما يقولون لكثرة ما قالوا وتحدثوا دون أن يفعلوا أو يعملوا بما قالوا وتحدثوا . . لقد قالوا وكذبوا . . وقالوا وكذبوا وهكذا حتى انتزعت الثقة من كلامهم ولم يعد يصدقهم فيما يقولون . . ثم إنه لم يعد يطمع في نصرهم وكيف يطمع في نصر المتخاذلين والقاعدين الذين لا يتحركون ولا يقومون وقد جربهم فلم يقعوا عند حسن ظنه بهم . . وأيضا لا يقدر بعد اليوم أن يهدد العدو بهم ويقول له إنه قادم بهم إليه . . ( ما بالكم ما دواؤكم ما طبكم القوم رجال أمثالكم ) أراد أن يثير حفائظهم ويحرك شعورهم إن بقي لهم شعور وحفائظ . . إنه يقول لهم إن أنصار معاوية وأتباعه رجال مثلكم . . . ليسوا هم أفهم منكم أو أعلم أو أشد في الحرب ممارسة . . ما بالكم لا تفكرون وتجتمعون وتحاربون كما يفعل أهل الشام وهم بشر مثلكم وما دواؤكم الذي إذا عالجتكم به أصبحتم كأهل الشام طاعة وإقداما والتزاما وهم رجال أمثالكم . . استفهامات فيها توبيخ واستنكار لحالهم وما هم عليه لعلهم يرجعون وإلى الحق يفيئون . . ( أقوالا بغير علم وغفلة من غير ورع وطمعا في غير حق ) تقولون ما لا تفعلون وهذه صفة قبيحة قال تعالى : كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ تكثرون الكلام بدون أعمال هذا إذا كانت النسخة أقوالا بغير عمل .
أما إذا كانت أقوالا بغير علم فهو رمي لهم بالجهل وأنهم يرمون كلامهم بدون رصيد شرعي له أو مستند يعتمدون عليه . . . ثم يقول لهم إنهم يغفلون عن مصالحهم ويتركون واجباتهم بدون أن يكون ذلك عن خوف من اللّه أو تورع عن الحرام . . . وبعبارة أخرى إنهم يغفلون عن بعض الواجبات فلا يؤدونها وليس ذلك لتورعهم الذي ربما أخطئوا في تصوره . . . وأخيرا قال لهم إنهم يطمعون في غير حق يريدون زيادة في عطائهم بدون استحقاق منهم له . .
شرح نهج البلاغة — صفحة 246
مساهمون: السيد عباس علي الموسوي
ص٢٤٦