أَمّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللّهَ - سبُحْاَنهَُ وَتَعَالى - ( 1 ) خَلَقَ الْخَلْقَ حينَ خَلَقَهُمْ ، فَأَلْزَمَهُمْ عبِاَدتَهَُ ، وَكَلَّفَهُمْ طاَعتَهَُ ( 2 ) ، غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ ، لأنَهَُّ لَا تضَرُهُُّ مَعْصِيَةُ مَنْ عصَاَهُ ، وَلَا تنَفْعَهُُ طَاعَةُ مَنْ أطَاَعهَُ . فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ ، وَوَصَفَهُمْ فِي الدّينِ حَيْثُ وَصَفَهُمْ . لكنِهَُّ - تَعَالى - عَلِمَ قُصُورَهُمْ عَمّا يَصْلُحُ عَلَيْهِ شُؤُونُهُمْ ، وَيَسْتَقيمُ بِهِ دَاءُ أَوَدِهِمْ ، في عَاجِلِهِمْ وَآجِلِهِمْ ، فَأَدَّبَهُمْ بأِدَبَهِِ ، في أمَرْهِِ وَنهَيْهِِ ، فَأَمَرَهُمْ تَخْييراً ، وَكَلَّفَهُمْ يَسيراً ، وَأَثَابَهُمْ كَثيراً . وَأَمَازَ - سبُحْاَنهَُ - بِعَدْلِ حكُمْهِِ وَحكِمْتَهِِ ، بَيْنَ الْمُوجِفِ مِنْ أنَاَمهِِ إِلى مرَضْاَتهِِ وَمحَبَتَّهِِ ، وَبَيْنَ الْمُبْطِئِ عَنْهَا وَالْمُسْتَظْهِرِ عَلى نعِمْتَهِِ مِنْهُمْ بمِعَصْيِتَهِِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 3 ) . وَإِنَّمَا أَهْبَطَ اللّهُ آدَمَ وَحَوّاءَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مِنَ الْجَنَّةِ عُقُوبَةً لِمَا صَنَعَا ، حَيْثُ نَهَاهُمَا فخَاَلفَاَهُ ، وَأَمَرَهُمَا فعَصَيَاَهُ ( 4 ) . فَالْمُتَّقُونَ فيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ ( 5 ) ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ ، وَمَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ ( 6 ) ، وَمَأْكَلُهُمُ الْقُوتُ ( 7 ) ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ . خَشَعُوا للهِّ - عَزَّ وَجَلَّ - بطِاَعتَهِِ ، وَخَضَعُوا لَهُ بعِبِاَدتَهِِ ، رَاضينَ عنَهُْ في كُلِّ حاَلاَتهِِ ( 8 ) . غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمّا حَرَّمَ اللّهُ - جَلَّ وَعَزَّ - ( 9 ) عَلَيْهِمْ ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ بِدينِهِمِ ( 10 )
تمام نهج البلاغة — صفحة 194
مساهمون: السيد صادق الموسوي
ص١٩٤
هامش
( 1 ) - جلّ شأنه ، وتقدّست أسماؤه . ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 1 ص 469 .
( 2 ) ورد في المصدر السابق .
( 3 ) الجاثية ، 21 . ووردت الفقرة في المصدر السابق .
( 4 ) ورد في مصباح البلاغة للميرجهاني ج 3 ص 299 عن الصواعق المحرقة لابن حجر
( 5 ) - البصائر . ورد في هامش نسخة العام 400 الموجودة في المكتبة الظاهرية ص 271 .
( 6 ) - الاقتصار . ورد في ينابيع المودة للقندوزي ص 416 .
( 7 ) ورد في المصدر السابق . ومصباح البلاغة للميرجهاني ج 3 ص 270 عن الصواعق المحرقة لابن حجر .
( 8 ) ورد في المصدرين السابقين . والسقيفة ص 239 . وتحف العقول ص 111 . ونهج السعادة ج 1 ص 470 . ومصباح البلاغة ج 3 ص 300 عن الصواعق المحرقة لابن حجر . باختلاف في المصادر .
( 9 ) ورد في تحف العقول للحرّاني ص 111 .
( 10 ) ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 1 ص 470 .