حفظك اللّه يا بني وأمتع بك قد انتهى إلى الخليفة ما أنت عليه من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية ما أنكره ، فعاود ما هو أزين بك ، فإنهّ من عاد إلى ما يزينّه ويشينّه لم يعرفه أهل دهره إلّا به ، والسلام .
وكتب في أسفله هذه الأبيات :
انصب نهارا في طلاب العلا * واصبر على فقد لقاء الحبيب
حتّى إذا الليل بدا مقبلا * واستترت فيه وجوه العيوب
فبادر الليل بما تشتهي * فانّما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناسكا * يستقبل الليل بأمر عجيب
ألقى عليه الليل أستاره * فبات في لهو وعيش خصيب
ولذّة الأحمق مكشوفة * يسعى بها كلّ عدوّ رقيب
والرشيد ينظر إلى ما يكتب يحيى فلما فرغ قال له : أبلغت يا أبت فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا إلى أن انصرف عن عمله ( 1 ) . « ومن لم يختلف سرهّ وعلانيته وفعله ومقالته فقد أدّى الأمانة » والواجب عليه أداؤها « وأخلص العبادة » الواجب الإخلاص فيها . « وآمره أن لا يجبههم » جبهه : صك جبهته « ولا يعضههم » عضهه : رماه بالبهتان « ولا يرغب عنهم تفضلا بالإمارة عليهم » كان عليه السلام نفسه كذلك ، فلما وصفه ضرار الضبابي لمعاوية قال له فيما قال : وكان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألنا ويبتدئنا إذا سكتنا ، ونحن مع تقريبه لنا أشدّ ما يكون صاحب لصاحب هيبة ، لا نبتدؤه بالكلام لعظمته - إلخ ( 2 ) - .
هامش
( 1 ) مروج الذهب 3 : 368 و 369 .
( 2 ) رواه الحلبي في التذييل على نهج البلاغة ، عنه شرح ابن أبي الحديد 18 : 225 ، وابن عبد البر في الاستيعاب 3 : 43 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 1 : 84 ، وغيرهم .