بالمحكم مع كونه متشابهاً ، فيعدلون به عن حقيقته . وهم يطلبون بذلك التثنّي في الأحكام ، فيلزمهم بذلك التظنّي فيها ؛ إذ لا سبيل إلى القطع في مثله ، فيدخلون بذلك في ما نهاهم اللَّه عنه بقوله :
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
« 1 » ،
« وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
« 2 » ،
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى »
« 3 » ، إلى غير ذلك .
ومن هنا نشأ الخلاف ووسع دائرة الاختلاف ، فتاهوا في بيداء الآراء والجزاف . ولم يكتفوا بذلك حتّى سمّوا ذلك اجتهاداً في الدين وقربة إلى ربّ العالمين ، وقد كان ينبغي لهم أن يتركوا المتشابه الذي ليس له محكم يردّ إليه على حاله من غير تصرّف فيه ، وأن يسكتوا عمّا سكت اللَّه عنه ، ويبهموا ما أبهم اللَّه ليتّفق كلمتهم ويجتمع أقوالهم ويكونوا عباد اللَّه إخواناً لا عبيد أهوائهم وآرائهم ، كلّما دخلت منهم أمّة لعنت أختها « 4 » ، مع أنّ في هذا السكوت والإبهام حكماً ومصالح :
منها : أن يتميّز المتّقي المتديّن باحتياطه في الدين وعدم حومه حول الحمى خوفاً عن الوقوع فيه ممّن لا تقوى له ، فيجترىء بالحوم حوله ولا يبالي بالوقوع فيه ، فيتفاضل بذلك درجات الناس ومراتبهم في الدين .
ومنها : توسّع التكليف لجمهور الناس بإثبات التخيير في كثير من الأحكام ؛ فإنّ حكم المتشابهات إذا لم يمكن ردّها إلى المحكم يرجع بالآخرة إلى التخيير ، كما هو مذكور في غير واحد من الأخبار المتضمّنة لبيان كيفيّة الجمع بين الأخبار المختلفة ؛ فإنّ في آخرها : ( بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك ) « 5 » .
وهذه رحمة من اللَّه عزّ وجلّ ، وبه يختلف مراتب التكليف باختلاف مراتب الناس في العقل والمعرفة ، ولعلّ ما لم نعلم من الحكم أكثر ممّا نعلم .
هامش
( 1 ) - الإسراء : 36 .
( 2 ) - البقرة : 169 .
( 3 ) - النجم : 23 .
( 4 ) - اتخاذ من آية :« كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها ». [ الأعراف : 38 .
( 5 ) - الكافي ، ج 1 ، ص 66 ، ح 7 .