حلّ النزاعات وتعيين حقوق الأفراد إلى رئيس العشيرة لا إلى العلماء ، كما نجده اليوم في بعض المناطق .
والتاريخ يشهد في جملة من الموارد بعدم انصياع المسلمين لأمر النبيّ صلى الله عليه وآله ؛ لكونه مخالفاً لهذه الأخلاق القبليّة والنزعة القوميّة ، بل إنّنا نجد آثار هذه الأخلاق في حياة المسلمين إلى آخر أيّام حياة النبيّ صلى الله عليه وآله أيضاً ، فينقل لنا المؤرّخون والمحدّثون عدم طاعة بعض الصحابة للنبيّ حين أمر المسلمين بالخروج مع جيش أُسامة وعدم التخلّف عنه ، حتّى قال صلى الله عليه وآله :
لَعَنَ اللَّهُ مَن تَخَلَّفَ عَن جَيشِ أُسامَة . « 1 »
لكنّ عرق القبليّة دفع البعض إلى الطعن في تأمير النبيّ صلى الله عليه وآله أُسامة ، حتّى قالوا ما قالوا ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
أيُّها النّاسُ ، ما مَقالَةٌ بَلَغتني عَن بَعضِكُم في تَأميري أُسامَةَ ! لَقَد طَعَنتُم في إمارَتي أباهُ مِن قَبلُ ، وأيمُ اللَّهِ إنَّهُ لِلإمارَةِ لَخَليقٌ ، وابنهُ بَعدَهُ لِلإمارَةِ خَليقٌ ، وهُوَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ ، وإنَّهُما أهلٌ لِكُلِّ خَيرٍ فَاستَوصوا بِهِ خَيراً ؛ فَإنَّهُ مِن خِيارِكُم . « 2 »
والسبب في عدم طاعتهم للنبيّ صلى الله عليه وآله وطعنهم على تأمير أُسامة هو أنّه كان أصغر منهم سنّاً ، فأبوا ذلك ، ولم يحتملوه ، ولهذا روى ابن كثير في البداية والنهاية عن سيف بن عمر عن أبي ضمرة وأبي عمرو وغيرهما عن الحسن البصري :
إنّ أبا بكر لمّا صمّم على تجهيز جيش أُسامة قال بعض الأنصار لعمر : قل له فليؤمّر علينا غير أُسامة . فذكر له عمر ذلك ، فيقال : إنّه أخذ بلحيته وقال : ثكلتك أُمّك يا بن الخطّاب ، أُؤمّر غير أمير رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ ! « 3 »
كما روى الشيخ الكليني قدس سره في الكافي :
هامش
( 1 ) . المسترشد لمحمّد بن جرير الطبري : ص 116 .
( 2 ) . المصدر السابق : ص 113 ؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر : ج 2 ص 46 .
( 3 ) . البداية والنهاية لابن كثير : ج 6 ص 336 .