إلى أنّ الحديث الشريف لم يعتمد الكتابة والتدوين ، وإنّما ظلّ مستنداً إلى الرواية الشفوية « 1 » .
إلّا أنّه أخفق في ربط العنعنة بمسألة الوضع في الحديث ، إذ غاية ما يرد على العنعنة إنّما هو « التدليس » الّذي قد تُصدّي له بكلّ قوّة ، وكُشف عن عواره بكلّ شدّة ، ومُحِّص عن الحقّ ضدّه بكلّ صلابة ، حتّى عُرِفَ المدلّسون وكيفيّة عملهم . بل إنّ الإشكال على العنعنة مبنيّ على الاحتياط من فعل المدلّسين ، لكنّ هذا المستشرق يثيرها في اتّجاهٍ معاكس للغرض ، وهذا إنْ أحسنّا الظنّ بالمستشرقين ناشئ عن عدم فهمهم للغة العلم عند المسلمين .
ولكنّ المؤسفَ أنْ يتصدّى للحديث المعنعن ، مَنْ يتمشيَخ ويعدّ نفسه أُستاذاً مدرّساً ، يجول في حلقات درسه بأمان ، ويطلق لسانه بحرّيّة تامّة ، فيطرح الإشكال على الأحاديث المعنعنة في تراثنا الحديثيّ بأنّها تُنبئ عن الإجازة ، وهي باطلة ! محاولًا بذلك الالتفاف على أهمّ مصادر الحديث الشريف ، وإخراجها عن حيّز الاستدلال بها لاعتمادها بشكل رئيسي على الحديث المعنعن .
وقد عقدنا الفصل الثالث بطوله للإجابة عن ترّهاته تلك وسفسطاته المزخرفة .
إنّ أمثال ذلك المتطفّل على حلقات العلم إنّما عمدوا إلى ذلك لأمرين :
الأوّل : جهلهم بالمصطلحات ودورها في العلوم ، وذلك لقصور أسنانهم
هامش
( 1 ) . وقد فنّدنا هذه المزعومة بتفصيل في كتابنا تدوين السُنّة الشريفة .