بذل الشيخ الكليني رحمه الله جهداً مميّزاً في تأليف كتاب الكافي وتصنيفه بعد عملية جمع وغربلة واسعة لما روي عن أهل البيت عليهم السلام في أصول الشريعة وأحكامها وآدابها ، كما يشهد بذلك تلوّن الثقافة الإسلامية الواسعة المحتشدة في كتاب الكافي ( اصولًا ، وفروعاً ، وروضة ) ، ومن الواضح أنّه ليس بوسع ( كُلَيْن ) تلك القرية الصغيرة تلبية حاجة الكليني لتلك المهمّة الخطيرة التي نهض بأعبائها وتحمّل مشاقّها طيلة عشرين عاماً ، ومن هنا تابع رحلته وعزم على سفر طويل لطلب العلم ، ومبادلة العلماء السماع والأخذ عنهم ، خصوصاً وأنّ الرحلة في ذلك الوقت - كما يقول ابن خلدون ( ت / 808 ه ) - « لابدّ منها في طلب العلم ؛ لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال » « 1 » ؛ لأنّها أصبحت من آداب طالب الحديث التي لا تنفكّ عنه ، ومن هنا لم يكتف أحد من علماء الحديث وأقطابه في حدود مدينته ، ولم تخل حياتهم من الرحلة العلمية في عرض البلاد وطولها .
وقد كان حظّ الكليني من تلك الرحلة حظّاً واسعاً ، إذ طاف في الكثير من حواضر العلم والدين في بلاد الإسلام ، وسمع الحديث من شيوخ البلدان التي رحل إليها ، كما يعلم هذا من تتبَّع حياة ثقة الإسلام وإن لم يصرّح هو بذلك ، بخلاف ما اعتاده بعض المحدّثين . كالشيخ الصدوق ( ت / 381 ه ) مثلًا الذي اعتاد أن يذكر - بين آونة وأخرى - ما يدلّ على أسفاره ورحلته العلمية ، وذلك من خلال تصريحه - في كثير من كتبه - بسماع هذا الحديث أو ذاك ، من شيخه فلان في منطقة كذا وبتاريخ كذا ، وقد يذكر أحياناً مكان السماع دون الاكتفاء بالمدينة ، كأن يكون في المسجد ، أو في البيت ، أو في طريق الحجّ وهكذا ، مع ذكر الشهر زيادة على سنة السماع . وهو بهذا سهّل على الباحثين معرفة تسلسل رحلاته العلمية بدقّة ، الأمر الذي لم نجد له ذكراً في جميع أحاديث الكافي بلا استثناء .
هامش
( 1 ) . المقدّمة لابن خلدون : ص 336 .