والادّعاء في كثير من جوانبه . يرى بعض الباحثين أنّ شعر الصعاليك يمثّل في بعض جوانبه ثورةً على النظّام القبلىّ والنظّام الاقتصادي والاجتماعي السائد آنذاك ، فنراه يقول : « إنّ شعر هؤلاء كان مثالًا لشعر سياسي طريف هو شعر الثّورة والكفر بأوضاع فرضت عليهم الحرمان والفقر المدقع بجانب هذا الفقر العامّ في البلاد كلّها » . « 1 » نحن نرى أنّ شعر الصعاليك وإن مثّل الثورة على التقاليد والنقمة عليها ، إلّا أنّه خارج من إطار الشعر السياسي المعارض ، لأنّه أصبح محصوراً في دائرة الاعتزاز والفخر بالمواهب والقدرات الفردية . ونحن كما ذكرنا آنفاً لا نراهم يهجون وينقدون سلطةً مركزية يخضع جميع أفراد القبيلة لما وضعته من الأصول والقوانين ؛ فلذلك رأينا أن نخرج شعرهم من إطار الهجاء السياسي .
شعر الرفض في بلاط المناذرة
كانت جزيرة العرب تقع بين حضارتين عظيمتين آنذاك وهما حضارة الفرس وحضارة الروم ، فحاولوا أن يخضعوا العرب لحكمهم ليأمنوا غزوهم وغاراتهم على قوافلهم التجارية ، و « لكنّهم كانوا يعدلون عن ذلك لما يستلزمه فتح جزيرة صحراوية من ضحايا في الأنفس والأموال ، ولأنّ طبيعة المعيشة العربية جعلتهم لايخضعون لقوّةٍ واحدةٍ إذا تغلب عليها المحارب . . . بل هناك عصابات وقوّات متعددة لابدّ لإخضاع البلاد من الاستيلاء عليها جميعاً وليس ذلك باليسير » « 2 » . فلذلك توصّلوا إلى هذه النتيجة وهى أنّ أحسن طريق لدفع شرّ العرب والابتعاد عن غزوهم ونهبهم ، أن يحموا بعض القبائل المجاورة على حدودهم ، ومن جرّاء ذلك تكوّنت إمارة المناذرة على القرب من حدود الفرس وإمارة الغساسنة على القرب من حدود الروم . ونستطيع أن « نرى في كلّ من هاتين الإمارتين مقومات الدّولة سياسيّاً حيث الإقليم ، والشعب ، والوحدة ، والنّظام ، والخضوع لسلطانٍ قائم » « 3 » . لقد كانت سياسة المناذرة حيال القبائل العربية
هامش
( 1 ) - السابق ، ص 51 .
( 2 ) - أمين ، أحمد . فجر الإسلام ، ص 41 .
( 3 ) - الشايب ، أحمد . تاريخ الشعر السياسي ، ص 66 .