السياسية والاجتماعية والمنازعات الدائرة بين الخلفاء وولاة العهد ، وكأنّها مرآة نرى فيها بوضوح ما يدور في المجتمع ، وهذا يدلّ على أنّ الشاعر استوعب تطوّرات الأوضاع ورصد ما يقوم به السلطة الحاكمة الزمنية . ودعبل بانتمائه إلى فرقة الشيعة كأنّه كان المتحدّث باسم هذه الفرقة ، فلذلك قام خير قيام بوظيفته في أداء رسالته ، ووقف في وجه السلطة العباسية يقول وينتقد ويهجو من يعمل في السلطة ومن يواكبهم . فلم يقتصر دعبل في هجائه للخلفاء العباسيين على الجانب الشخصي لهؤلاء الخلفاء ، بل حملت أشعاره رسائل اجتماعية ، فلذلك كان يرغب أن يبرز في أشعاره جوانب التقصير والانحراف من قبل هؤلاء في حقّ الشعب ، ونراه اتّخذ شعره سلاحاً لمحاربة الفساد ونقد الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة في ذلك العصر ، فحمل هجاؤه رسالةً ساميةً ، لأنّه لم يكن يريد الشرّ فيه دائماً ، وإنّما كان يتّخذه في بعض الأحيان طريقاً لإصلاح فساد السلطة الحاكمة ، أو للتعبير عن شعور إنساني نبيل . كان دعبل معاصراً لستة من الخلفاء من بني العباس هم هارون الرشيد ، والأمين والمأمون ، والمعتصم ، والواثق والمتوكل . نحن ندرس هجائه لهم بالترتيب الذي ذكرناه :
هجاء هارون الرشيد
كان هارون الرشيد على ما ذكرت المصادر التاريخية « يكره الشيعة منذ صباه . . . ولمّا تولّى الخلافة أمر بإخراج الطالبيين جميعاً من بغداد إلى المدينة » . « 1 » ولم نرَ دعبلًا الخزاعي يتعرّض لهارون الرشيد بهجاء خلال حياته إلّا بعد مرور عشر سنوات من وفاته أي سنة 207 ه . « 2 » فنراه يهجو الرشيد في قصيدته الرائيّة التي رثى فيها أهل البيت عليهم السّلام ، ونحن نذكر هنا أحد عشر بيتاً يرتبط بموضوعنا . يقول : « 3 »
يا أمّةَ السُّوءِ ما جَازَيْتِ أحْمَدَ عَنْ * حُسْنِ البَلاءِ عَلَى التَّنْزِيلِ وَالسُّوَرِ
هامش
( 1 ) - ابن الأثير ، الكامل في التّاريخ ، ج - 4 ص 83 - 84 .
( 2 ) - انظر : أبو الفرج الأصفهاني ، الأغاني ، ج - 20 ص 139 .
( 3 ) - دعبل الخزاعي ، الديوان ، ص 197 .