المرجع الزاهد :
كان السيد صاحب الترجمة من حين دراسته في الحوزات العلمية ومنذ أيام شبابه معروفاً بالصلاح والتقى والنسك والزهد وكثرة العبادة ، يُضرب به المثل في صفاء النفس ونقاء السريرة وطهارة الباطن .
كان يتمتع بحافظة قوية جداً ، لا يكاد ينسى ما يتلقاه من محاضر أساتذته ، يستحضر جزئيات آراء الشيوخ الذين حضر أبحاثهم ودرس لديهم ، له سيطرة تامة على آرائهم ومبانيهم العلمية .
وُصف بالكيس والحلم والرزانة والوقار والتروي في الأمور ، لم يهئ في وقت من الأوقات أسباب المرجعية لنفسه ولم يسعُ لنيلها بالوسائل التي يتشبث بها بعض طالبى الرئاسة ، بل رجع إليه الناس في التقليد وأخذ الفتوى بما لمسوه فيه من المؤهلات العلمية والدينية والأخلاقية .
توجهت إليه الأنظار منذ حلّ مشهد الرضا عليه السلام - مع المسبقات التي كانت في أذهان العلماء عنه من أيام دراسته في الحوزات العلمية - وعرفه الإيرانيون مقلَّداً زاهداً يترفع عن العناوين العرفية الفارغة .
ولما عاد من مشهد واستقر بكربلاء توسعت دائرة مرجعيته وشملت الأقطار الشيعية داخل العراق وخارجه ، وانتشرت رسائله العملية العربية والفارسية وطبعت في ألوف من النسخ .
ولما توفي الزعيم الديني السيد أبو الحسن الأصبهاني في سنة 1365 اتجهت إليه المرجعية العامة واتفقت الكلمة عليه ، وانتقل من كربلاء إلى النجف لشعوره بالوظيفة الشرعية وواجب إدارة الحوزة والمجتمع الديني ، وبدأ يتولى الشؤون بأحسن ما يكون حسب الموازين ، ولكن مشيئة اللَّه تعالى قضت في عدم إتمام هذا الأمر ، فانتقل إلى جواره عز شأنه بعد شهور وخُيبت الآمال فيه .
لم يكن السيد مرتاحاً لتوجه المسؤولية العظمى إليه - مسؤولية المرجعية الدينية العامة ، ويُنقل عنه بهذا الصدد أحاديث لا مجال لتكرارها مفصلًا ، قال أحد مترجميه :
« لاحظ الكثير ممن يعرفونه تغيراً طرأ على ملامحه ، فقد ألقت المسؤولية ظلالها الحزينة على وجهه ، فبدا مهموماً يكتنفه الغم ، وطالما دعا اللَّه أن يعجل له الموت إذا كان ذلك أسلم له في دينه . لقد أبدى القمي حساسية فائقة تجاه مركزه الديني والاجتماعي الجديد ، وأصبح أكثر مراقبة لنفسه ومواقفه ، حتى أنه قال ذات يوم عندما سمع بعضهم يتحدث عن مساع في استقدام آية اللَّه البروجردي إلى النجف للنهوض بالزعامة الدينية : ليته جاء وأراحني من هذه المسؤولية » .