تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفصل فى تراجم الاعلام — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
إنه يناجي ربه في أول كتابه النزهة بعبارات خرجت من قلب عارف متوغِّل في العرفان وجرت على قلم صوفي متولّه في تقديس الحي السبحان ، فيقول : « اللهم يا من قصرت عن إدراك حقيقة كنه ذاته الفكر ، وسافرت فيه العقول فما ربحت إلا أذى السفر ، فرجعت حسرى وما وقعت على عين ولا أثر ، لأن الذي تطلبه خارج عن قوة البشر :
فيك يا أغلوطةَ الفكر * حار فكري وانقضى عمري سافرتْ فيك العقول فما * ربحتْ إلا أذى السفرِ رجعتْ حسرى وما وقعتْ * لا على عينٍ ولا أثرِ فلحا اللَّهُ الأولى زعموا * أنك المشهودُ بالنظرِ كذبوا إن الذي طلبوا * خارجٌ عن قوّة البشرِ »
لقد أخذ طريقة الرفاعية والقادرية - كما ذكرنا فيما مضى - من السيد بدرالدين بن غالب الرفاعي ، والطريقة القادرية أيضاً من السيد علي النقيب ، وألبسه أستاذه هذا خرقة التصوف وقلده الخلافة القادرية ، كما قد أخذ التصوف أيضاً من شيخه الشيخ محمد الأحمدي الشناوي . هذا يدل على انتسابه إلى فرق صوفية مختلفة ، بل بلغ به الحال أن قُلّد الخلافة لبعض الطرق وقطع المراتب العالية في التصوف . ومع شدة ولاء السيد للصوفية يصرح في النزهة 2 / 574 عند الحديث عن العقل بأولوية العلماء بالاتباع في المسائل العقلية من الصوفية ، إذ أنهم أخذوا علومهم من ينبوع النبوة ، فيقول : « إذا حسّنت الملاحظة في كل مسألة من المسائل المختلف فيها عند العلماء والصوفية ترى الحقَّ بجانب العلماء ، وأصل ذلك أن نظر العلماء قد نفذ في كمالات النبوة وعلومها بواسطة متابعة الأنبياء الكرام عليهم السلام ، ونظر الصوفية قد وقع على كمالات الولاية ومعارفها فقط ، فلاجرم حينئذ أن يكون العلم المقتبس من مشكاة النبوة أصوب وأحق من الذي أخذ من مرتبة الولاية . فافهم واللَّه بكل شيء عليم » . هذه ملاحظة خطيرة يبديها صوفي متوغل في التصوف ، إلا أنها صدرت من عالم يتحلّى بالإنصاف العلمي والتواضع الخلقي ، فيعلن بالحق من دون مؤاربة .