مؤكدين هنا مرة أخرى « 1 » : ان تراثنا الفكري العربي الاسلامي بعامة والفكر الفلسفي في عاصمة الخلافة بغداد بخاصة ، كان قد اعتمد أربعة أسس متينة ، وركائز ثابتة ، لستوجبتها مستجدات الصراع العقيدي وقت ذاك واستدعتها الضرورة الملحة لاشباع حاجات الجمع المسلم الذي دخل في دين الاسلام ، أفواجا أفواجا ، فكان أول هذه الأسس وأكثرها مسؤولية هو ( ( علم الكلام ) ) الذي انبثق من وهج القرآن الكريم فتى شابا لم يمر بطفولة ، ولم تدنسه المراهقة . . .
انفلقت من علم الكلام نفسه الأسس الثلاثة الأخرى ، ونعني بها ( ( علم أصول الفقه ) ) و ( ( علم التصوف ) ) بما هو علم نظري وليس طقوسا وممارسات عملية .
وانفلقت أيضا من علم الكلام نفسه ( ( الفلسفة العربية الإسلامية ) ) بما هي فلسفة عربية إسلامية ، وليس فلسفة أخرى .
بالرغم مما أشير إلى أن هذه العلوم هي عيال على الفكر الإغريقي « 2 » ، أو هي ربيبة الحكمة الهندية ، أو نحو هذا من فلسفات الشرق ، أو هي انتخاب من ديانات سابقة يهودية أو مسيحية أو صابئية أو مجوسية أو وثنية أو انها تتخذ عناصرها من الافلوطينية المحدثة أو من الغنوصية ، أو غير ذلك من الاتهامات . . . « 3 »
صحيح ان أغلب هذه المدارس الفكرية المختلفة الوافدة ، كانت قائمة على ساحة الواقع في المجتمع العربي الاسلامي ، سعى السلف الصالح بقوة إلى ترجمتها من لغاتها الأصل ، وفك اسرارها ، ودراستها بعمق مشهود . .
ولا عيب في ذلك ، بل هذا يدل على تحضر ذلك المجتمع وسعة تفكيره ، وتسامح دينه ، وحرية ممارساته ، وليس كما يزعمون عيالا على تلك الافكار . . .
هامش
( 1 ) رسالتنا للماجستير ، الفكر الفلسفي في القرن الثالث ، بغداد ، نيسان ، 2002 ، ص 23
( 2 ) ديبور ، تاج ، تاريخ الفلسفة في الاسلام ، ترجمة د . عبد الهادي أبو ريدة ، القاهرة ، 1957 ، ص 50 - 51
( 3 ) جولد تسهير ، حنابس ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين ط 2 ، مصر 946 ، ص 24