فلا بدّ أن يكون عمله - وهو سيّد الحكماء - عن حكمة تامّة ، وغرض أعظم من رئاسة ذلك الجيش ، وهو التنبيه على عدم أهليّتهم للإمامة والخلافة ، وأنّهم أتباع لا متبوعون ، حتّى لعن المتخلّف ؛ كشفا عن نفاقهم وأنّهم ينقلبون على أعقابهم ، كما ذكره سبحانه في كتابه
هامش
- ولأسامة الإذن ، وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بخروج الجيش ، ولعن من تخلّف عنه ؟ ! فمن تخلّف - والحال هذه - لا يستحقّ الإمامة . .
كما إنّ بقاءه تحت إمرة أسامة - كبقيّة الجيش - ناف لإمامته له ، بل وللجيش كلّه ؛ ولذا احتاج إلى الاستئذان من أسامة في تخلّف عمر !
ولو سلّم أنّه استأذن من أسامة ، وأنّ له عذرا في التخلّف بارتداد العرب والحاجة إليه في البقاء ، فالكلام لا يختصّ بتخلّفه بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، بل يعمّ تخلّفه في حياته ، وهو ممّا لا يتأتّى فيه العذر المذكور .
والحقّ أنّه لا يصحّ أن يكون عذرا حتّى بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؛ لإمكان أن يخلّف أبو بكر من يقوم مقامه ، لا سيّما ولم يرتدّ العرب على الصحيح ، وإنّما كان في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قوم آمنوا بمسيلمة وطليحة ، وهم لم يستوجبوا امتناع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من بعث أسامة ؛ إذ يكفيهم القليل من المسلمين كما وقع في حربهم .
فاللازم أن لا يمنعوا أبا بكر من امتثال أمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في المسير بجيش أسامة !
ومن المضحك قوله : « لم يكن ملائما لأمر الإسلام أن يذهب الخليفة بنفسه » [ المتقدّم آنفا في الصفحة 16 ] ، فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يخرج بنفسه في الغزوات ، فكيف لا يلائم أن يذهب أبو بكر بنفسه ؟ !
هذا ، ولا يخفى أنّ تأمير النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أسامة على أبي بكر وعمر وعثمان وأبي عبيدة وأمثالهم ، شاهد صدق على انحطاط منازلهم عنه ، ولو في سياسة الجيش وإمرته .
وبالضرورة : إنّ من انحطّت منزلته عن الصبيّ الغرّ - ولو في إمرة الجيش - لا يمكن أن يصلح للإمامة والزعامة الكبرى ، ولا شكّ أنّ هذا من أوضح مقاصد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
منه قدّس سرّه .