انتفى إمكان الترك انتفى إمكان الفعل .
وتقرير الجواب : أنّ القادر هو الذي يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل وليس لا يفعل عبارة عن فعل الضدّ .
قال : وعموميةُ العلة تستلزم عمومية الصفة « 1 » .
أقول : يريد بيان أنّه تعالى قادر على كل مقدور ، وهو مذهب الأشاعرة ، وخالف أكثر الناس في ذلك ، فإنّ الفلاسفة قالوا إنّه تعالى قادر على شيء واحد ، لأنّ الواحد لا يتعدد أثره ، وقد تقدم بطلان مقالتهم .
والمجوس ذهبوا إلى أنّ الخير من اللَّه تعالى ، والشرّ من الشيطان ، لأنّ اللَّه تعالى خير محض وفاعل الشر شرير .
والثنوية ذهبوا إلى أن الخير من النور ، والشر من الظلمة .
هامش
( 1 ) . هذه المسألة من فروع عموم خالقيته لكل شيء ، كما هو مقتضى التوحيد في الخالقية الذي آمنت به الأشاعرة والإمامية ، فلو كان خالقاً لكل شيء لكان قادراً عليه وقابلًا لأن تتعلق به قدرته ، من غير فرق بين الخير والشر وأفعال العباد وغيرها ، غير أنّ الإمامية تفترق عن الأشاعرة في تفسير التوحيد في الخالقية ، حيث تفسره على وجه لا ينافي عدلَه سبحانه ، بخلاف الأشاعرة فهؤلاء يفسرونه بشكل ينطبق على الجبر ، فالمطلوب للأشاعرة هو حفظ التوحيد في الخالقية ، سواء أضرّ بعدله أم لا ، بخلاف الإمامية فالمطلوب عندهم هو حفظ كلا الأصلين .
وأمّا غير هاتين الطائفتين فينكرون عموم قدرته لجهات مختلفة ، وهؤلاء طوائف أربع : 1 - الفلاسفة . 2 - المجوس . 3 - الثنوية . 4 - المعتزلة . والدواعي لنفي عموم القدرة مختلفة ، وإليك البيان :
1 - لمّا ذهبت الفلاسفة إلى أنّ الواحد ( الواجب ) لا يصدر عنه إلّا الواحد ، قالوا بأنّه قادر على الشيء الواحد فقط ، وهو الصادر الأوّل ، فنفوا عمومَ قدرته حسب نقل الشارح ، ولكن النسبة غير صحيحة ، لأنّ القول به لا يستلزم تلك النتيجة كما لا يخفى على من له إلمام بمفاد القاعدة ، ولأجل ذلك قال الماتن في السابق : « ومع وحدته يتحد المعلول » ( 1 ) ، ومع ذلك قال في المقام بعمومية القدرة ، وهو يعرب عن إمكان الجمع بين القاعدتين .
2 - لمّا ذهبت المجوس والثنوية إلى أنّه سبحانه خير محض ، فقالوا بعدم تعلّق قدرته بالشرور ، فهي عند المجوس مستند إلى المبدأ الحادث ، أعني : الشيطان ، وعند الثنوية مستند إلى مبدأ قديم كالظلمة ، وبذلك افترقت المجوس عن الثنوية ، حيث إنّ مبدأ الشر عند المجوس حادث وعند الثنوية قديم ، والظاهر من المحقق الطوسي في نقد المحصل أنّ عقيدة المجوس والثنوية واحد ، وهو أنّ الخير من « يزدان » والشر من « اهرمن » ويريدون من الأوّل : الملك ، ومن الثاني : الشيطان ( 2 ) .
يقول الحكيم السبزواري :والشرّ أعدام فكم قد ضلَّ من * يقول باليزدان ثمّ الأهرمنوأمّا ما نسبه إلى الثنوية فهو عقيدة المانوية ، وعلى هذا فالثنوية مصحّف « المانوية » .
3 - لمّا قالت المعتزلة بخروج أفعال العباد عن كونه مخلوقاً للَّه سبحانه ، حفظاً لعدله ، ظهر بينهم قول النظّام ( ت 231 ه ) والكعبي ( ت 317 ه ) والجُبّائيين ( أبي علي ت 302 ه وأبي هاشم ت 321 ه ) ، والأقوال مذكورة في الشرح مع أجوبتها .
1 - كشف المراد : 116 ، المقصد الأوّل ، الفصل الثالث ، المسألة الثالثة .
2 - لاحظ نقد المحصل : 190 .