تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد ( قسم الإلهيات ) — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠

الفصل الثاني : في صفاته تعالى

وفيه مسائل :

المسألة الأُولى : في أنّه تعالى قادر « 1 »

قال : الثاني في صفاته . وجودُ العالم بعد عدمه يَنفي الإيجابَ . أقول : لما فرغ من البحث عن الدلالة على وجود الصانع تعالى شرع في الاستدلال على صفاته تعالى ، وابتدأ بالقدرة .
هامش
( 1 ) . المقصود من القدرة هنا هو كونه فاعلًا مختاراً ، لا فاعلًا موجباً كالنار بالنسبة إلى الحرارة ، والذي يُركَّز عليه هنا في تفسير القدرة هو كونه فاعلًا بالاختيار . وأمّا الاستدلال على القدرة بإتقان فعله سبحانه فهو يهدف إلى كونه فاعلًا عن علمٍ وحكمة ، فلا يشتبه الغرضان في البحث . والمقام أحد المواقف التي يفترق فيها التفكير الكلامي عن التفكير الفلسفي وإن لم يصرّح به الماتن والشارح ، والإشكالات التي يذبّ عنها الماتن ، للحكماء كما سيوافيك ، وإليك بيان التفكيرين في المقام : عرّف المتكلّمون القدرة بصحّة الفعل والترك ( 1 ) ، وإن شئت قلت : إمكان الفعل والترك وكون نسبتها إليه على السواء . وأورد عليه : بأنّ هذا التعريف يصلح لتفسير القدرة في الوجود الإمكاني كالإنسان ، ولا يصح تفسير قدرته سبحانه به ، لأنّ هذا الإمكان ليس قائماً بذات الشيء ( المقدور ) - 1 - الإلهيات : 1 / 134 . لأنّه في حد ذاته ممكن بلا كلام وإنّما هو قائم بالقادر ، فلو أُريد منه : الإمكان الماهوي لزم اتصافه سبحانه بالماهية وهو أرفع من أن يكون له ماهية ، وإن أُريد : الإمكان الاستعدادي لزم أن يكون ذاته محلًا للتغير لوجود الإمكان الاستعدادي . وقد ذكرنا في الإلهيات ( 1 ) ما يصلح جواباً للإشكال . ويمكن أن يقال عاجلًا : ليس المراد منه أحد الإمكانين بل المراد هو المعنى الثالث ، وهو الإمكان الصدوري ، ويعلم مفاده إذا قيس الأثر إلى مؤثره ، فلا يخلو أنَّ نسبته إليه إمّا بالإيجاب ، أو بالامتناع ، أو لا هذا ولا ذاك ، والحاصل أنّ الفاعل إذا كان مقيّداً بإحدى النسبتين ، لا يسمّى قادراً بالنسبة إلى الفعل والترك ، والقادر هو المتجرد عن النسبتين ، وتفسير القدرة به لا يستلزم المحذورين المتقدمين . وعرفها الحكماء بأنّ قدرته تعالى هي كونه إذا شاء فعل ولو لم يشأ لم يفعل ( 2 ) ، ولو اقتصر في تعريف القدرة بهذا القدر لم يتوجه إشكال ، فيكون معناه : إنّ القادر هو غير المجبور على أحد الطرفين ، لكن ربّما يضاف إليه ويقال : « ولكنه شاء وفعل » ، فتجعل الشرطية الأُولى واجبة التحقّق أزلًا وأبداً ، وهذا يعطي كونه فاعلًا موجَباً ، خصوصاً إذا قلنا : إنّ مشيئته وإرادته قديمة ، فيُصبح عدم العالم أمراً ممتنعاً ، بل واجب التحقّق بالقياس إلى مشيئته القديمة ، وهذا هو الذي جرّ المتكلّمين لاتهام الحكماء بأنّه سبحانه عندهم فاعل موجَب ( بالفتح ) ، والحكماء وإن كانوا محترزين عن وصف اللَّه سبحانه بكونه فاعلًا موجَباً ، بل يقولون : إنّه فاعل موجِب ( بالكسر ) فهو يعطي للفعل وصف الوجوب ، لكن بالنظر إلى قولهم : « ولكنه شاء وفعل » وقولهم بالمشيئة القديمة والإرادة الذاتية يكون سبحانه فاعلًا موجَباً أي غير مختار . هذا ما يرجع إلى بيان موقف المسألة بين المتكلّمين والحكماء ، وأمّا الدفاع عن أحد المنهجين فهو خارج عن وضع التعليقة ، وقد استدل الماتن على قدرته ( اختياره ) بحدوث العالم زماناً أو ذاتاً ، على وجه يكون هناك انفكاك بين الذات والعالم ، وهو دليل الاختيار . - 1 - الإلهيات : 1 / 134 . 2 - الحكيم السبزواري : شرح المنظومة : 172 .