محدث ، لا يلزم حصول اعتقاد أنّ العالم محدث ، بل قد يحصل أنّ العالم قديم ، أو يحصل أنّ الإنسان جسم مثلا ، وإذا اعتقد أنّ الإنسان حيوان وأنّ كلّ حيوان جسم لا يحصل أنّ الإنسان جسم ، بل قد يحصل أنّ الإنسان عرض أو أنّ العالم محدث ، وأيّ جهل أعظم من ذلك ؟
وأيضا قالوا : إنّ اللّه تعالى هو الخالق « 1 » لأفعال العباد بأسرها خيرها وشرّها ، حسنها وقبيحها ، وقد خالفوا الضرورة في ذلك ، فإنّ كلّ عاقل يجزم جزما ضروريّا بأنّه الفاعل لأفعال نفسه بحسب اختياره وإرادته ، وأنّ الضرورة فرّقت بين وقوع الإنسان من سطح الدار ونزوله بالدرج ، ونعلم بعدم اختياره في الأوّل ، وأنّه مختار في الثاني .
قال أبو الهذيل العلّاف : حمار بشر أعقل من بشر ؛ لأنّ حمار بشر إذا أتيت به إلى جدول صغير وحملته على طفره طفره ، ولو أتيت به إلى جدول كبير وحملته على طفره لم يطفره ، ولو بالغت في ضربه عدل يمينا وشمالا ، ولم يطعك على طفره ؛ لأنّه فرّق بين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه ، وبشر لم يفرّق بينهما « 2 » .
ولزمهم من ذلك ارتكاب محالات :
أحدها : نسبة اللّه تعالى إلى الظلم ، حيث يعذّب الكافر أشدّ العذاب من غير صدور ذنب منه ؛ إذ لا فرق بين فعله وشكله ، فجوّزوا تعذيب الكافر على لونه وطوله وقصره وغير ذلك من الأفعال التي فعلها اللّه تعالى فيه ، كما يعذّبه على الذنوب .
وثانيها : أنّه تعالى كلّف العبد ما لا قدرة له عليه ، وأمره ونهاه بما
هامش
( 1 ) في « ل » والطبعة الحجريّة : « الخلّاق » بدل « الخالق » .
( 2 ) الفائق في أصول الدين : 242 .