تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأحكام السلطانية والولايات الدينية — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
مِنْ مُهِمٍّ وَتَجَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمٍّ ، لِيَعْمَلَ فِيهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَلَيْسَ بِوَالٍ عَلَيْهَا وَلَا مُتَقَلِّدًا لَهَا ، فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الْوَزَارَةِ أَخَصَّ ، وَإِنْ لَمْ يُشَارَكْ فِيهِ كَانَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ وَالسِّفَارَةِ أَشْبَهَ ، وَلَيْسَ تَفْتَقِرُ هَذِهِ الْوَزَارَةُ إلَى تَقْلِيدٍ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا مُجَرَّدُ الْإِذْنِ وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُؤَهَّلِ لَهَا الْحُرِّيَّةُ وَلَا الْعِلْمُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِوِلَايَةٍ وَلَا تَقْلِيدٍ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ وَإِنَّمَا هُوَ مَقْصُورُ النَّظَرِ عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْخَلِيفَةِ . وَالثَّانِي : أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ فَيُرَاعِي فِيهِ سَبْعَةَ أَوْصَافٍ : أَحَدُهَا الْأَمَانَةُ حَتَّى لَا يَخُونَ فِيمَا قَدْ اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ وَلَا يَغُشَّ فِيمَا قَدْ اُسْتُنْصِحَ فِيهِ . وَالثَّانِي : صِدْقُ اللَّهْجَةِ حَتَّى يُوثَقَ بِخَبَرِهِ فِيمَا يُؤَدِّيهِ وَيُعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يُنْهِيهِ . وَالثَّالِثُ : قِلَّةُ الطَّمَعِ حَتَّى لَا يَرْتَشِيَ فِيمَا يَلِي وَلَا يَنْخَدِعَ فَيَتَسَاهَلَ . وَالرَّابِعُ : أَنْ يَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ عَدَاوَةٍ وَشَحْنَاءَ ، فَإِنَّ الْعَدَاوَةَ تَصُدُّ عَنْ التَّنَاصُفِ وَتَمْنَعُ مِنْ التَّعَاطُفِ . وَالْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ ذُكُورًا لِمَا يُؤَدِّيهِ إلَى الْخَلِيفَةِ وَعَنْهُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ وَعَلَيْهِ . وَالسَّادِسُ : الذَّكَاءُ وَالْفِطْنَةُ حَتَّى لَا تُدَلَّسَ عَلَيْهِ الْأُمُورُ فَتَشْتَبِهَ ، وَلَا تُمَوَّهَ عَلَيْهِ فَتَلْتَبِسَ ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ اشْتِبَاهِهَا عَزْمٌ وَلَا يَصْلُحُ مَعَ الْتِبَاسِهَا حَزْمٌ ، وَقَدْ أَفْصَحَ بِهَذَا الْوَصْفِ وَزِيرُ الْمَأْمُونِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ حَيْثُ يَقُولُ مِنْ الطَّوِيلِ : إصَابَةُ مَعْنَى الْمَرْءِ رُوحُ كَلَامِهِ فَإِنْ أَخْطَأَ الْمَعْنَى فَذَاكَ مَوَاتُ إذَا غَابَ قَلْبُ الْمَرْءِ عَنْ حِفْظِ لَفْظِهِ فَيَقْظَتُهُ لِلْعَالَمِينَ سُبَاتُ . وَالسَّابِعُ : أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَيُخْرِجُهُ الْهَوَى مِنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ وَيَتَدَلَّسُ عَلَيْهِ الْمُحِقُّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، فَإِنَّ الْهَوَى خَادِعُ الْأَلْبَابِ وَصَارِفٌ لَهُ عَنْ الصَّوَابِ . وَلِذَلِكَ * ( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ) * . قَالَ الشَّاعِرُ مِنْ السَّرِيعِ : إنَّا إذَا قَلَّتْ دَوَاعِي الْهَوَى * وَأَنْصَتَ السَّامِعُ لِلْقَائِلِ وَاصْطَرَعَ الْقَوْمُ بِأَلْبَابِهِمْ * نَقْضِي بِحُكْمٍ عَادِلٍ فَاصِلِ لَا نَجْعَلُ الْبَاطِلَ حَقًّا وَلَا * نَلْفِظُ دُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ نَخَافُ أَنْ تُسَفَّهَ أَحْلَامُنَا * فَنَحْمِلُ الدَّهْرَ مَعَ الْحَامِلِ
الأحكام السلطانية والولايات الدينية — صفحة 26 | علي بن محمد البغدادي الماوردي