إليهم على سواء ثم قاتلوهم ، قالوا : وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم إلا بمال
يبذلونه لهم جاز لهم ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم
الأحزاب على نصف ثمار المدينة ، حتى لما شاور الأنصار قالوا : يا رسول الله أهو أمر
أمرك الله به أم الرأي والمكيدة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا بل هو رأي لأني رأيت العرب قد
رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أدفعهم عنكم إلى يوم ما ) فقال السعدان بن عبادة
وسعد بن معاذ : والله يا رسول الله إنهم لم يكونوا يطمعون فيها منا إلا قرى وشرى ونحن
كفار ، فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام ؟ لا نعطيهم إلا السيف وشقاء الصحيفة ! فهذا يدل
على أنهم إذا خافوا المشركين جاز لهم أن يدفعوهم عن أنفسهم بالمال . فهذه أحكام
بعضها ثابت بالقرآن وبعضها بالسنة ، وهي مستعملة في الأحوال التي أمر الله تعالى بها ،
واستعملها النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، وهذا نظير ما ذكرنا في ميراث الحليف أنه حكم ثابت بقوله
تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] في حال عدم ذوي
الأنساب وولاء العتاق ، فإذا كان هناك ذو نسب أو ولاء عتاقة فهم أولى من الحليف كما
أن الابن أولى من الأخ ولم يخرج من أن يكون من أهل الميراث .
قوله تعالى : ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين
قلوبهم ) الآية . روي أنه أراد به الأوس والخزرج ، وكانوا على غاية العداوة والبغضاء قبل
الاسلام ، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام ، روي ذلك عن بشير بن ثابت الأنصاري وابن
إسحاق والسدي . وقال مجاهد : هو في كل متحابين في الله .
قوله تعالى : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) إلى آخر القصة .
حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان حدثنا أبو عبيد
قال : حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
في قوله تعالى : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) قال : " أمر الله تعالى
الرجل من المسلمين أن يقاتل عشرة من الكفار فشق ذلك عليهم فرحمهم فقال : ( فإن
يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ) . وحدثنا جعفر بن
محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن
ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال ، " أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من
اثنين فقد فر " . وإنما عنى ابن عباس ما ذكر في هذه الآية ، وكان الفرض في أول الاسلام
على الواحد قتال العشرة من الكفار لصحة بصائر المؤمنين في ذلك الوقت ، وصدق
يقينهم ، ثم لما أسلم قوم آخرون خالطهم من لم يكن لهم بصائرهم ونياتهم خفف عن
الجميع وأجراهم مجرى واحدا ففرض على الواحد مقاومة الاثنين .
أحكام القرآن — صفحة 91
مساهمون: الجصاص
ص٩١