الأوزاعي في المرأة يموت زوجها وهي حامل : " فلا نفقة لها ، وإن كانت أم ولد فلها
النفقة من جميع المال حتى تضع " . وقال الليث في أم الولد إذا كانت حاملا منه : " فإنه
ينفق عليها من جميع المال ، فإن ولدت كان ذلك في حظ ولدها ، وإن لم تلد كان ذلك
دينا يتبع به " . وقال الحسن بن صالح : " للمتوفى عنها زوجها النفقة من جميع المال " .
وقال الشافعي في المتوفى عنها زوجها قولين ، أحدهما : " لها السكنى والنفقة " والآخر :
" لا سكنى لها ولا نفقة " .
قال أبو بكر : قد اتفق الجميع على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها غير الحامل
ولا سكنى ، فوجب أن تكون الحامل مثلها لاتفاق الجميع على أن هذه النفقة غير
مستحقة للحمل ، ألا ترى أن أحدا منهم لم يوجبها في نصيب الحمل من الميراث وإنما
قالوا فيه قولين ، قائل يجعل نفقتها من نصيبها ، وقائل يجعل النفقة من جميع مال
الميت ، ولم يوجبها أحد في حصة الحمل ؟ فلما تجب النفقة لأجل الحمل ولم يجز
أن تكون مستحقة لأجل كونها في العدة لأنها لو وجبت للعدة لوجبت لغير الحامل ، فلم
يبق وجه تستحق به النفقة . وأيضا لما لم تستحق السكنى في مال الزوج بدلائل قد قامت
عليه لم تستحق النفقة . وأيضا فإن النفقة إذا وجبت فإنما تجب حالا فحالا ، فلما مات
الزوج انتقل ميراثه إلى الورثة ، وليس للزوج مال في هذه الحال وإنما هو مال الوارث ،
فلا يجوز إيجابها عليهم .
فإن قيل : تصير بمنزلة الدين . قيل له : الدين الذي يثبت في ميراث المتوفى إنما
يثبت بأحد وجهين : إما أن يكون ثابتا على الميت في حياته ، أو يتعلق وجوبه بسبب كان
من الميت قبل موته مثل الجنايات وحفر البئر إذا وقع فيها انسان بعد موته ، والنفقة
خارجة عن الوجهين ، فلا يجوز إيجابها في ماله لعدم السبب الذي به تعلق وجوب النفقة
وعدم ماله بزواله إلى الورثة ، ألا ترى أن النكاح قد بطل بالموت وأن ملك الميت قد زال
إلى الورثة ؟ فلم يبق لإيجاب النفقة وجه ، ألا ترى أن غير الحامل لا نفقة لها بهذه
العلة ؟ .
فإن قيل : قال الله تعالى : ( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن ) ، وهو عموم في
المتوفى عنها زوجها والمطلقة ، كما كان قوله : ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
حملهن ) عموما في الصنفين . قيل له : هذا غلط ، من قبل أن قوله تعالى : ( أسكنوهن
من حيث سكنتم من وجدكم ) خطاب للأزواج ، وكذلك قوله تعالى : ( وإن كن أولات
حمل فأنفقوا عليهن ) خطاب لهم ، وقد زال عنهم الخطاب بالموت ، ولا جائز أن يكون
ذلك خطابا لغير الأزواج ، فلم تقتض الآية إيجاب نفقة المتوفى عنها زوجها بحال
أحكام القرآن — صفحة 618
مساهمون: الجصاص
ص٦١٨